قبل ستة أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا، اجتمع عدد صغير من الجنود الروس داخل خِيَمهم في بيلاروسيا، وحصل أحدهم على هاتف ذكي سراً، ثم تصفّح مع المحيطين به مواقع إخبارية غربية، حيث قرأ الجنود قصة أثارت صدمتهم: وفق تقارير الاستخبارات الغربية، توشك روسيا على غزو جارتها أوكرانيا، وبعد مرور خمسة أيام، كشف القادة أنهم يوشكون على غزو أوكرانيا فعلاً، حتى أنهم هددوا العناصر باتهامهم بالانشقاق عن الجيش إذا لم يشاركوا في هذه الحملة.

تملك روسيا معدات عسكرية متطورة وتتفوق على مستويات عدة نظرياً، لكنها تعثرت في عملياتها ومقارباتها الاستراتيجية والتكتيكية في أوكرانيا بسبب تخطيطها المبني على فرضيات غير صحيحة، وجداولها الزمنية غير الواقعية، وأهدافها غير العملية، حتى أنها واجهت المشاكل نتيجة إمداداتها الشائبة، وخدماتها اللوجستية السيئة، وغياب الحماية الكافية للقوات العسكرية، وسوء قيادتها عموماً، فلا تقتصر هذه المشاكل على المعدات التقنية أو سوء التدريبات أو الفساد، بل إنها ترتبط أيضاً بمشكلة كامنة وأكثر تأثيراً: لا يهتم الجيش فعلياً بحياة وراحة عناصره، ففي أوكرانيا، يجد الجيش الروسي صعوبة في استرجاع جثث القتلى، ويخفي حجم الخسائر البشرية، ولا يبالي بعائلات الجنود القلقة، وقد ينفق هذا الجيش مليارات الدولارات على معدات جديدة، لكنه لا يعالج إصابات الجنود بالشكل المناسب ولا يهتم عموماً بالصدمات التي يعيشها العناصر.

Ad

من الواضح أن ثقافة اللامبالاة تُضعِف فاعلية الجيش الروسي، بغض النظر عن مستوى تحديثه في الفترة الأخيرة، ففي الولايات المتحدة، يكون الجندي البارع سعيداً في المقام الأول، مما يعني أن يتلقى ما يحتاج إليه من الطعام والمال والاحترام، لكن تتصرف القيادة الروسية العليا وكأن الجنود عامل ثانوي، فتتخذ قرارات تكتيكية وكأنها تستطيع المجازفة بالناس عشوائياً لبلوغ أهداف غير مدروسة إلى حين تحقيق النجاح، ولا مفر من أن يُحبِط هذا الموقف الانهزامي معنويات الجنود ويُضعِف فاعلية القتال، حيث أصبحت نتائج هذه المقاربة واضحة.

يحمل الجيش الروسي تاريخاً طويلاً في إساءة معاملة عناصره وعائلاتهم المرعوبة، ومن الواضح أن ثقافة اللامبالاة هذه امتدت إلى الغزو الروسي الأخير، ولو لم تؤثر العمليات الأمنية المفرطة على مستوى حماية الجنود مثلاً، لكان الجيش سيصبح أكثر قدرة على تحضير وتدريب القوات العسكرية على المعارك الطاحنة التي تنتظرها في المدن، لكن الجيش الروسي انشغل بمنع تسريب المعلومات، فأخفى خططه عن معظم الأوساط العسكرية وأضعف جاهزية العناصر وأعاق مساره بنفسه، ولو أرادت موسكو أن تتجنب الخسائر البشرية الكبرى، ما كانت لتطبّق الاستراتيجية نفسها بعدما كشفت الاستخبارات الغربية خطط الغزو الروسي ونشرتها علناً، لكن أصرّ الكرملين على خوض الحرب بالشكل المُخطط له، فأرسل جنوده لمحاربة القوات الأوكرانية التي كانت تنتظر وصوله في بعض الأماكن.

على صعيد آخر، يُعتبر التسمم الإشعاعي من أبرز الأمثلة المتطرفة على تراجع القدرات القتالية بسبب سوء تعامل الجيش الروسي مع الجنود، لكن تكثر الأمثلة التي تصبّ في الخانة نفسها، فقد تعرّض الجنود لإصابات مثل قضمة الصقيع بسبب سوء التخطيط، ثم تلقوا العلاج على يد مسعفين روس استعملوا ضمادات ميدانية عمرها 44 سنة، وفي غضون ذلك، اختفى بعض القادة الروس في مناطق القتال بكل بساطة، فتركوا العناصر التابعين لهم بلا مأوى أو طعام أو مياه، وأرسل الجيش حصصاً غذائية منتهية الصلاحية إلى بعض الجنود، ووصلت كميات غير كافية من المواد الغذائية إلى وحدات أخرى، وامتلأت شاحنات المطبخ الميداني بأكياس البطاطا والمخلل ودقيق الشوفان، لكن تعفّن معظمها خلال بضعة أيام.

لكنّ إهمال الجيش الروسي لجنوده لم ينعكس سلباً على أدائهم القتالي فحسب، بل إنه أحبط معنوياتهم وأضعف رغبتهم في القتال أيضاً، حيث يسرق الضباط محتويات حُزَم الرعاية بشكلٍ متكرر، لذا اتّصل الجنود بأمهاتهم وطلبوا منهنّ وقف إرسال أي إمدادات لهم، وفي الوقت نفسه، ينسى الضباط دفع رواتب الجنود مقابل مشاركتهم في القتال، وتتخلى الوحدات العسكرية عن جثث القتلى وتتابع مسارها، فلا عجب إذاً في أن تفضّل وحدات من القوات العسكرية الابتعاد عن الصراع، فتترك معدات حديثة وفاعلة في الحقول الأوكرانية وتغادر المكان. اتصل جنود آخرون بأمهاتهم لإبلاغهنّ بأنهم يفكرون بإطلاق النار على ساقهم كي يتمكنوا من الرحيل.

تزامناً مع تراجع معنويات الجنود ومستوى انضباطهم، بدأت القوات الروسية تنهب ما تستطيع إيجاده في أوكرانيا وتعيد شحنه إلى روسيا، بما في ذلك الغسالات وأواني القلي وأجهزة التلفزيون من المدارس الأوكرانية، لقد اقتحموا المتاجر الأوكرانية لأخذ اللحوم والسجائر والكحول، وحين نفدت المواد الغذائية من الأسواق، راحوا يسرقونها من الشعب الأوكراني مباشرةً، حتى أن بعض الجنود الروس لم يتردد في أكل الكلاب، وفق مكالمات هاتفية نشرتها الاستخبارات الأوكرانية.

ونظراً إلى سوء تعامل الجيش الروسي مع عناصره، ليس مفاجئاً أيضاً أن يشارك الجنود الروس في جرائم واسعة النطاق، ولا يمكن تبرير هذا التصرف لأي سبب، فقد ارتكبت القوات الروسية أعمالاً وحشية مريعة، مثل التعذيب والاغتصاب والإعدام، في قرى ومدن أوكرانية عدة، لكن بدل إدانة هذه الانتهاكات أو إصدار الأوامر اللازمة لوقفها، فضّل الكرملين تكريم وحدة عسكرية متّهمة بارتكاب أعمال وحشية في مدينة «بوتشا».

يستحيل أن يعالج الجيش الروسي مشكلته الثقافية الداخلية خلال هذه الحرب، وحتى لو انتهى الغزو، لا مفر من أن يجد صعوبة في إصلاح نفسه، كما فعل بعد حرب الخمسة أيام ضد جورجيا في عام 2008. على عكس حرب جورجيا، لا تستطيع موسكو أن تنسب تعثّرها هذه المرة إلى المعدات القديمة، إذ تكمن المشكلة الحقيقية في طريقة صناعة القرار والخيارات المنتقاة، ولم يعترف المعنيون بعد باستمرار سوء التعامل مع الجنود. حتى أن قادة الجيش قد يبدون استعدادهم اليوم للتغاضي عن أي سوء تعامل منهجي طالما تبقى هذه الممارسات خفية، ويستمر تدفق الروبل إلى ميزانية الدفاع، ويتواصل شراء الأسلحة وفق الخطة الأصلية.

لا يمكن اعتبار كبار القادة الروس مجرّد خبراء أو محاربين غير مسيّسين، فهم وصلوا إلى مناصبهم بعدما فهموا أن الولاء أهم من قول الحقيقة في عالم السلطة، كما أنهم وافقوا على خطة الغزو رغم شوائبها الواضحة، أبرزها احتمال استنزاف القوة القتالية إلى أن تنهار، ولا وجود لأي قوة احتياطية جاهزة لاستبدال 190 ألف جندي روسي يشاركون في هذه الحرب، مما يعني أن الجنود سيحاربون حتى الرمق الأخير، إلا إذا أعلن الكرملين تعبئة شاملة.

يدرك الجيش الروسي طبعاً أن خسارة الجنود تُصعّب الفوز بالحروب، ولا يتقبّل الكرملين تحديداً أي شكل من الخسائر البشرية، وقد بذل قصارى جهده لإخفائها كما فعل خلال الحروب الماضية. لتحقيق هذه الغاية، منعت روسيا النقاشات المرتبطة بالقتلى في صفوف الجيش منذ العام 2015. وفي الوقت الراهن، لا يكف المسؤولون الروس عن المماطلة في تعاملهم مع العائلات المرعوبة التي تحاول معرفة مصير أبنائها. قيل لبعض الأهالي إن المعلومات المرتبطة بأولادهم سرية أو معدومة. ويضطر آخرون للتعامل مع مجموعة لامتناهية من أرقام الهواتف بحثاً عن أي مستجدات، حتى أن البعض يعتبرهم «مهووسين»، وقرر الأهالي أيضاً التوجه إلى القواعد العسكرية والمستشفيات مباشرةً لجمع المعلومات عن أبنائهم المفقودين، لكنهم قوبلوا بالرفض، وعلى سبيل المثال، ذهب والد مجنّد اختفى وهو على متن الطراد الروسي الغارق «موسكفا» إلى القاعدة البحرية في البحر الأسود للاستفسار عن مكان ابنه. فقال له القائد المحلي بأسلوب ساخر: «هو موجود في مكانٍ ما في البحر».

لكنّ هذه المعاناة لم تمنع الأهالي الروس من متابعة البحث عن أولادهم، فراحوا يجمعون المعلومات بطرقٍ أخرى، أبرزها شبكات غير رسمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى الحكومة الأوكرانية التي عرضت إطلاق سراح بعض الجنود إذا جاءت أمهاتهم لاصطحابهم. وتماشياً مع تقليد مأساوي بدأ في أفغانستان والشيشان واستمر خلال الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2014، تُخطط أمهات أخريات للسفر إلى مناطق الحرب للعثور على أبنائهنّ وإعادتهم إلى ديارهم، لكن لا تعني هذه الجهود كلها أن الجيش ينوي تصحيح مساره، ولا يتحمّل الجو السياسي الراهن في روسيا أي احتجاجات جماعية من عائلات الجنود مقارنةً بأواخر الثمانينيات والتسعينيات، ويعوق تشريع جديد أي خطابات غير مرغوب فيها بشأن الجيش، وتبذل السلطات الروسية قصارى جهدها لقمع كل من يناقش موضوع الحرب بما يتعارض مع الخطاب الرسمي، حتى أن الناس يعجزون عن التعبير عن حزنهم من دون أخذ إذن مسبق.

حتى الآن، قد يتمكن الجيش الروسي من مقاومة التغيير بسبب هذه العوامل كلها، لكن لا يمكن التأكيد على استمرار الوضع نفسه على المدى الطويل، فقد يخسر هذا الجيش ما يفوق آلاف المعدات التي تدمرت منذ بداية هذا الصراع، وتمتد خبرة الجيش الروسي في تجنيد عناصر محترفة على عشرين سنة تقريباً، ويتوقف نجاحه عموماً على امتيازات الخدمة العسكرية والثقة الاجتماعية التي سعت وزارة الدفاع الروسية إلى اكتسابها عبر طرح سلسلة من السياسات والمنافع الجديدة وتحسين ظروف الخدمة العسكرية، لكنّ إهمال شباب الروس يُضعِف هذا التكافل بين الطرفين ولا يحمل أي مؤشرات إيجابية حول مستوى التجنيد مستقبلاً.

لا يزال الوقت مبكراً للتأكيد على المخاطر التي يتعرّض لها برنامج التجنيد الاحترافي، لكن قد يمتنع الرجال الروس عن الانتساب إليه مع أنهم كانوا لينضموا إلى الجيش الروسي المحترف في الظروف العادية، يتّكل البلد حتى الآن على عدد من المجندين، لكن إذا انهارت شعبية الغزو الروسي تزامناً مع استمرار الحرب، فقد تعود العائلات الروسية إلى عاداتها القديمة وتفضّل إبعاد أبنائها عن التجنيد عن طريق الرشوة أو إخفائهم داخل البلد أو في الخارج. في هذه الحالة، قد يضطر الجيش لتغيير طريقة تعامله مع عناصره، لكن سيكون الأوان قد فات على تحقيق أكبر أهدافه في أوكرانيا، لن تعود الفرصة سانحة أيضاً لإنقاذ آلاف الجنود الذين ضحّت بهم روسيا بكل تهور في سبيل غزو بلدٍ مجاور.

* دارا ماسيكوت

Foreign Affairs