وقّعت سبع دول من جنوب شرق آسيا على «الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ»، وأطلق الرئيس الأميركي جو بايدن هذه المبادرة الاقتصادية المنتظرة منذ وقتٍ طويل في إطار الاستراتيجية الأميركية الخاصة بهذه المنطقة في طوكيو منذ أيام، فكانت أندونيسيا، وبروناي، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وتايلند، وفيتنام، من بين 12 دولة انضمّت إلى الإطار الاقتصادي، إلى جانب نيوزيلندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وأستراليا.

يحمل هذا الإطار الاقتصادي، الذي أعلنه بايدن للمرة الأولى في أكتوبر الماضي، أربعة أهداف أساسية: تنسيق الجهود لتأمين سلاسل الإمدادات، وتوسيع قطاع الطاقة النظيفة، ومحاربة الفساد والتهرب الضريبي، وفتح المجال أمام توسيع التجارة الرقمية، وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن وزيرة التجارة الأميركية، جينا رايموندو، والممثلة التجارية للولايات المتحدة، كاثرين تاي، ستشرفان على المفاوضات مع الدول المشارِكة في المرحلة المقبلة.

Ad

يطلب الاتفاق من الموقّعين عليه أن يلتزموا بمجموعة من القواعد الجديدة ويعدّلوا أنظمتهم الاقتصادية بناءً عليها، من دون السماح لهم بالوصول إلى السوق بالقدر الذي تسمح به الاتفاقيات التجارية التقليدية، ونظراً إلى هذه القيود، ذكر المحلل جيمس كرابتري من «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» في سنغافورة أن «الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ» يبدو أشبه «باتفاق اقتصادي مؤلم ومُجرّد من المنافع»، ويفسّر هذا الجانب على الأرجح الشكوك التي عبّرت عنها مجموعة من الحكومات في جنوب شرق آسيا تجاه الإطار الاقتصادي، حين قابلت بايدن خلال قمة خاصة بين الولايات المتحدة ورابطة أمم جنوب شرق آسيا في واشنطن، في وقتٍ سابق من هذا الشهر.

يحتاج الإطار الاقتصادي إلى تعديلات وإضافات كثيرة إذاً كي يتمكن من تحقيق الأهداف الطموحة التي حدّدها بايدن، فاتضحت طبيعة هذه المبادرة المجزأة عن غير قصد في البيان الرسمي الذي صدر عند إطلاق «الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ» منذ أيام، وقد تطرّق ذلك البيان إلى إطلاق «نقاشات جماعية تُمهّد لإجراء مفاوضات مستقبلية» حول ركائز الإطار الأربع، مما يعني الالتزام بمناقشة أي مفاوضات مستقبلية محتملة. اعترف بايدن بأن الطريق لا يزال طويلاً، فقال: «ستكون هذه العملية شاقة، وهي تتطلب بعض الوقت».

مع ذلك، يثبت انضمام عدد كبير من دول جنوب شرق آسيا إلى هذا الإطار الاقتصادي مدى تعطّش المنطقة إلى توسّع الالتزامات الاقتصادية الأميركية فيها واستعدادها للانتظار وترقّب التطورات اللاحقة، وهذا الوضع ليس مفاجئاً عند مراجعة نتائج استطلاع يجريه «معهد يوسف إسحاق» سنوياً لتقييم آراء النُخَب في جنوب شرق آسيا، فقد كشف ذلك الاستطلاع أن وباء كورونا ومشاكل البطالة والركود الاقتصادي المرتبطة به كانت من أهم المواضيع التي شغلت دول جنوب شرق آسيا في عام 2021، يليها ملف التغير المناخي.

يجب أن تبذل الحكومة الأميركية جهوداً كبرى إذاً لإقناع الحكومات الموقّعة على المبادرة الاقتصادية من جنوب شرق آسيا بالرؤية الإيجابية التي يحملها الاتفاق للمنطقة ككل، مما يعني أنه ليس مجرّد رد سلبي على توسّع النفوذ الصيني، وفي هذا السياق، يقول وزير التجارة الإندونيسي، محمد لطفي: «التعاون الاقتصادي الشامل يحمل نتائج إيجابية على المدى الطويل، ونحن لا نريد أن يصبح الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ مجرّد أداة لاحتواء بلدان أخرى».

قد تكون مشاركة هذا العدد من دول جنوب شرق آسيا مؤشراً إيجابياً للاستراتيجية الأميركية المستحدثة، إذ يخلو الانضمام إلى الإطار الاقتصادي الجديد من أي تكاليف، وخلال الأشهر المقبلة، لن تجازف هذه الدول بالكثير حين تدعم إطار العمل، وتنتظر نتائجه المرتقبة، وتتأكد من استمراره بعد نهاية عهد بايدن.

* سيباستيان سترانجيو

The Diplomat