ينسج الروائي خالد ساير خيوط روايته الأولى «سِمران»، بدقة متناهية، راصداً شخصية هامشية تبحث عن إثبات ذاتها، بالرغم من قسوة الظروف وصعوبتها. ويمزج ساير بين اللغتين العربية والبدوية في السرد، رغبة في إيضاح عادات وتقاليد وطريقة معيشة في ذلك الوقت كانت سائدة، فيضطر إلى استخدام المفردات البدوية.

يقدّم ساير في روايته وثيقة حية لنمط معيشي لأهل البادية كان سائداً وعادات وتقاليد كانت رائجة من خلال مجتمع بدائي يعتمد على القوة والسطوة، إضافة إلى أنه يكرس لمفاهيم أخرى بقيت راسخة في نفوس البشر.

Ad

وخلال العمل السردي، ينتقل الحدث من عمق الصحراء إلى المدينة، مستعرضاً شخصيات كثيرة وأنماطا بشرية متباينة يواجهها البطل في مشواره.

يتوغل الروائي خالد ساير إلى عمق الصحراء لينسج خيوط روايته الأولى «سِمران»، متتبعاً مسيرة بطل الرواية الذي ينتمي إلى الطبقة الكادحة والباحث عن ذاته في مجتمع تمور فيه البطولات والفروسية والسطوة والشجاعة، إضافة إلى حكايات الحب والحرب.

يقدّم ساير رواية ضخمة مفعمة بالمعلومات الثرية لحياة البادية، وكأنه يوثّق لشكل الحياة في عمق الصحراء، ونظراً لدقة الوصف يتخيل القارئ عبر الصور الذهنية ما كان يدور آنذاك، حيث شظف العيش وقسوة الحياة.

يُحكم المؤلف قبضته على إصداره الأول منذ بدايته، مستخدماً لغة أدبية ممزوجة ببعض العبارات باللهجة البدوية المحكية، مراعياً اختلاف اللهجات إضافة إلى استرجاع الألفاظ التي لم تعد مستخدمة في وقتنا الراهن. لم يدع ساير زمام الأمور تفلت منه، لاسيما أنه يريد سكب أكبر كمّ من المعلومات الثرية التي يقدّمها في الرواية وربما لأنّها التجربة الأولى، لذلك جاءت بهذا الحجم الكبير، حيث بلغ عدد صفحاتها 360 صفحة من القطع المتوسط، فهو لم يهمل أي واردة أو شاردة في أحداث روايته، فقد استثمر جلّ خبرته ولغته ومخزونه المعرفي في تفاصيل السرد.

رائحة القهوة

يستهل الكاتب روايته بحمس القهوة، وكأنه يريد أن تفوح رائحتها أثناء قراءة الرواية، فهو يتتبع مسيرة صانع القهوة (القهوجي)، ويمضي في تقديم معلومات عن صناعة القهوة ومستلزماتها، فنجده يذكر أنواع «النجر» وأسماء الدلال وغيرها من المعلومات.

مرارة اليُتم

سمران شاب بشوش مثابر طلّته وضيئة، في أواخر العقد الثاني من عمره امتهن صنع القهوة وخدمة ضيوف الشيخ سيف الهامي منذ أمد، فقهوته تسحر مزاج رجال وضيوف «خبيرة»؛ وهي المنطقة التي يعيش فيها.

نشأ سمران وحيدا، فقد تجرّع مرارة اليُتم منذ نعومة أظفاره، وهو ما ترك أثره على مسار حياته، لكنّ الفقد لم يكن فقط جرحا غائرا دفعه الى التشرنق ضمن عزلة أو سوداوية تعتّم حياته، بل كان دافعا إلى خوض معترك الحياة بسواعد قوية وهمّة منقطعة النظير، معتمدا على سرعة بديهته وحلمه في ‫بلوغ ما يصبو إليه، متسلّحا بفطرة البدوي المتصالح مع شظف العيش المشرئب الى الانعتاق من الركون إلى رواق بيت الشعر، حيث لم يكن يغريه الظلال، فأراد أن يشمّر عن ذراعيه ويشحذ الهمم كي لا تفتر عزيمته أو تخرّ قواه.

تمضي الأحداث ويضطر سمران إلى الارتحال، ثم يُقتل أحد الأشخاص المهمين ابن عليبان، فيواجه الظروف ذاتها التي أخرجته من «خبيرة»، ويساوره القلق في ظل هذه الظروف، وتحدث له بعض المفاجآت.

لم يركز الروائي فقط على حياة البادية، بل انتقل إلى المدينة وكذلك تناول شخصيات مختلفة لها أنماط معيشية مغايرة، فكان للرجل المسيحي وجود في العمل، وكذلك الرجل الأجنبي.

والراصد للعمل سيكتشف أن الروائي يسير بالتوازي مع تطور الحياة.

أنشودة الكرم

ومن أجواء الرواية، دقة «النجر» النحاسي اللماع ذي رنة خاصة لافتة، إيقاعها يرسل نداءات الكرم التي تشنّف الآذان وتصيخ القلوب، يدقّ البن والهيل في باطنه، معليا صوت الترحيب لشرب القهوة.

والشيخ سيف مستأنس طرب، ولمَ لا وسيمفونية البادية تعزف له أنشودة الكرم وتعزو له الفخر. فتلاقي الصوت وسحر القهوة يفرّج الهمّ ويجلي الروح، ويحيل وعورة الصحراء الى سطح مصقول سلس المشهد والحس.

سمران متظاهر بالانهماك في صنعته، والشيخ غير مفصح عن شيء بعد تلميحاته وإشاراته اللطيفة تمسّه بدلالات لم يحاول استيضاحها، لكنّها أعطته شعورا بارتياح أن مقدّمهم ليس لسوء ذكر، فالأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد.

ظل الفضول المتردد في داخله يتشكل في شك وشكوك من الأسئلة أدبه مع الشيخ يمنعه من السؤال هكذا هو انطوى اليوم بطول نهاره وعرض ليله، دون أن يعرف سرّ مقدمهم.

من الغد منتصف الصباح، أقبل الشيخ سيف بعد جولة قضاها في زيارات أهالي قبيلته وسمران على تطلّع، ألقى التحية ودخل بيت شعره عند حرمه، بعد طول وقت انتقل الى ربعته، وفيما سمران منهمك في عمله، جلس الشيخ سف مسترخيا، طالبا منه الاقتراب... سمران على عجل اقترب.

حبّه للشيخ امتثال لامتنان داخلي أورثه في نفسه ما تُلي على مسامعه من إحسان كسا عُري يُتمه، فظلّ ردا لجميل لولاه لنُبذ في العراء وهو مذموم، أو على الأقل هذا ما استقر في عقله وروحه.

- كم عمرك هالحين؟

- أنت أدرى، أظن أني ما ني بعيد من العشرين.

- ما تبي تعرس العرس؟

صمت مشوب بالصدمة وبعض الصمت أعلى صوتا!

بطولة متوهجة وحضور إنساني صادق

في كلمة للروائي خالد ساير يقول فيها: «إن كنت عزمت فَرْدَ صفحاتها، فستلمح بعضاً منك، ولربما قد تعرف نفسك… في رواية تسربلت بطابع تاريخي متخيل يحلّق بداخلك في زمان ومكان ستنتمي له روحاً ووجداناً، وستكتشف بين ثنايا الأسطر ذاك الإنسان المحكوم بقدره، الباحث عن وجوده، بعدها لتوقن أن منطق حياتنا قدريّ وجودي قائم لازم».

ويتابع: «سمران.. صانع الكيف (القهوجي)، معبّراً عن غربته، ممثلاً لأرواحنا وذواتنا، يجسّد سماتنا في محورية شخصيته العابرة للزمان والمكان، من دون بطولة متوهجة، وإنّما بحضور إنساني صادق تماهى فيه مع أقداره، ليكابد عنت القبلية بأعرافها وصحرائها، وليرحل نازعاً رداء إكراهاتها ميمّماً قبلته إلى قروية، ممنياً فيها نفسه علّه يصادف أفقاً يتّسع لتوقه».

وفي حديث عن المهمشين يقول المؤلف: «هذا البطل المتخيل أدرك قوانين القدر مثلما خبر قوانين القهوة، يرسم صورة الإنسان العربي الهامشي المعدم في مجتمع قبلي موسوم بتناقضات وصراعات اجتماعية! فمرة هو إنسان ذا يقين وإيمان! وأخرى هو بطل مأساوي يجسد المأساة في صورتها التراجيدية! كما لو أنه أدرك حتمية الفناء ليحقق كينونته لم يهادن ولم يراوغ، بل لم يخشَ الألم قط ظل يشتهيه ويهرول إليه! لم يركن للمآسي، بل ظلت تنفجر منه!

حين ترافق رحلته… ستدرك أن سمران كصانع كيف ورأس!»

ويضيف: «يجترح عقله وتتوق نفسه ليصنع المزاجات والمنجزات وينظُمها تماماً، كما ينظم المواثيق بالقهوة في شق الحكيم الشيخ سيف… ويسعك معه، لو تخيّلت معنى أن تكون هامشياً، أو أن تسكن الهامش شعوراً وهوية، لتصبح إرادة معدومة وحرية مفعولا بها بكل موانع الفعل الإنساني ثقافة وقبيلة وعرفا. في الرواية… وفي كل أحداثها، لن يكون البطل غريباً عنك، لأنك ستكون أنت «سمران» الإنسان المأسور بمسارات واختيارات أشبه ما تكون بقهوة لاذعة، كنكهة لحظة الانتصار في قدر ما».

لافي الشمري