قررت المحكمة، في الدعوى المقامة ضد 28 إعلاميا، في وزارة الاعلام، بعدم قبولها لعدم جواز قيام رئيس الهيئة التأديبية في ديوان المحاسبة بتحريك الدعوى الإدارية، لأن اللجنة التأديبية للديوان لا تعدو كونها إدارية، في حين أن القانون يسمح للمواطنين في المنازعات الإدارية بطلب الإعفاء والتعويض فقط لنظر منازعاتهم.

وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، «وحيث إنه عن موضوع الاستئناف، فإنه من المقرر في - قضاء محكمة التمييز - أن الالتجاء الى القضاء هو من الحقوق العامة التي تثبت للناس كافة، ولكل مواطن الالتجاء الى قاضيه الطبيعي يحتمي به تمسكاً، او ذودا عن حق يدعيه لنفسه، والمحاكم هي صاحبة الولاية العامة للقضاء، فتختص بالفصل في كل المنازعات أيا كان نوعها وأيا كان أطرافها ما لم يكن الاختصاص بالفصل فيها مقررا بنص في الدستور أو القانون لجهة أخرى استثناء لعلة أو لأخرى، وأي قيد يضعه المشرع للحد من اختصاص القضاء ولا يخالف الدستور يعتبر استثناء واردا على أصل عام، ومن ثم يجب عدم التوسع في تفسيره».

Ad

الاختصاص الولائي

وأضافت المحكمة أن مفاد الفقرة الثانية من المادة 153 من قانون المرافعات أنه في الطعن بالتمييز يجوز للخصوم كما هو الشأن بالنسبة للنيابة العامة ولمحكمة التمييز إثارة الأسباب المتعلقة بالنظام العام ولو لم يسبق التمسك بها أمام محكمة الموضوع أو في صحيفة الطعن متى توافرت عناصر الفصل فيها من الوقائع والأوراق التي سبق عرضها على تلك المحكمة، وأن مسألة الاختصاص الولائي هي من النظام العام عملا بالمادة 78 من ذات القانون، ولذا فإنها تعتبر قائمة في الخصومة ومطروحة دائما على المحكمة تقضي فيها من تلقاء ذاتها، ويجوز الدفع بها من كل ذي مصلحة في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز.

وتابعت: «تنص المادة الأولى من المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 1981 بإنشاء دائرة بالمحكمة الكلية لنظر المنازعات الإدارية على أن تنشأ بالمحكمة الكلية دائرة إدارية تشكل من ثلاثة قضاة وتشتمل على غرفة أو أكثر حسب الحاجة، وتختص دون غيرها بالمسائل الآتية، وتكون لها فيها ولاية قضاء الإلغاء والتعويض: أولاً:.... رابعا: الطلبات التي يقدمها الموظفون المدنيون بإلغاء القرارات الصادرة بإنهاء خدماتهم أو بتوقيع جزاءات تأديبية عليهم......».

وبينت أن مادته الخامسة تنص على أن «تكون للدائرة الإدارية وحدها ولاية الحكم بإلغاء القرارات الإدارية المشار اليها في البنود أولا وثانيا وثالثا ورابعا وخامسا في المادة الأولى، كما تكون لها وحدها ولاية الحكم في طلبات التعويض عن الأضرار الناشئة عن تلك القرارات سواء رفعت بطريقة أصلية أو تبعية»، وتنص مادته السادسة عشر على أن «يلغى كل نص يتعارض مع أحكام هذا القانون». وتنص المادة الثانية من القانون المدني على أنه «1- لا يلغى التشريع إلا بتشريع لاحق ينص على ذلك صراحة على إلغائه أو يتضمن حكما يتعارض معه».

ضمانات الاستقلال

ولفتت المحكمة إلى أن المشرع عهد بالقضاء الإداري إلى دائرة تخصص لهذا الغرض في المحكمة الكلية، وحدد قانون إنشائها المسائل التي تختص بها، وكلها تتعلق بشؤون الموظفين المدنيين العاملين في اية جهة حكومية سواء أكانت إحدى الوزارات أو مؤسسة او هيئة عامة، وأن إلغاء التشريع يتم بنص صريح يتضمنه تشريع لاحق، ويتحدد الإلغاء وفقا للنص الذي يقرره، فقد يكون الإلغاء شاملا أو جزئيا وقد يكون هذا الإلغاء إلى غير بدل يحل محل النص الملغى، وقد يكون إلى بدل، وقد يأتي إلغاء التشريع ضمنيا، وهو ما يتحقق في صورتين أولاهما أن يصدر تشريع جديد يتضمن نصاً يتعارض مع نص في تشريع قديم وفي هذه الحالة يقتصر الإلغاء على النص القديم في حدود ما يتحقق به التعارض، وثانيهما أن يصدر تشريع ينظم من جديد تنظيما كاملا موضوعا كان ينظمه تشريع سابق، وفي هذه الحالة يقتصر الإلغاء على النص القديم في حدود ما يتحقق به التعارض.

وأوضحت أن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية أن العمل القضائي يصدر بعد ادعاء مخالفة القانون، ويفصل فيه من هيئة تتوافر في أعضائها ضمانات الحيدة والاستقلال ليست طرفاً في النزاع المعروض عليها عهد إليها بسلطة الفصل في خصومة قضائية بقرارات حاسمة ودون إخلال بالضمانات الأساسية التي تقوم في جوهرها علي اتاحة الفرصة لتحقيق دفاع اطرافها، وتمحيص ادعاءاتهم على أساس قاعدة قانونية نص عليها المشرع، وكانت هذه الخصائص لا تتوافر فيما تصدره جهة الإدارة من قرارات إدارية بتوقيع جزاءات في مخالفات ذات طبيعة إدارية، ذلك لأن جهة الإدارة التي توقع الجزاء تعتبر طرفا في هذا الأمر، كما أن قرارها الصادر في هذا الصدد لا يحسم خصومة بين طرفين متنازعين، وبالتالي فإن تصرفها أو عملها الإداري في هذا المساق لا يندرج في مفهوم الخصومة التي ترتبط سلامة تنظيمها في المجال الدستوري – باستيفائها ما يلزم توافره في الخصومة القضائية بصفة عامة من ضمانات أساسية يقررها الدستور.

وأردفت: «متى كان ذلك، وكانت الهيئة التأديبية المنصوص عليها في قانون إنشاء ديوان المحاسبة هي بحكم تشكيلها وبحسب طبيعة عملها لا تعدو أن تكون لجنة إدارية حسبما نصت عليه صراحة المادة 65 من القانون سالف الذكر- وتنحسر عنها الصفة القضائية، ولا تباشر عملا من أعمال الخصومة القضائية، وما تقوم به لا يتسم بطبيعة العمل القضائي، أو يصطبغ بالصبغة القضائية، بل محض قرار إداري خاضع للرقابة التي يباشرها القضاء الإداري ليحكم تقديره ويقسط ميزانه وينزل حكم القانون عليه إعمالا لولايته في اطار مبدأ المشروعية».

شؤون الموظفين

وقالت المحكمة: «وحيث إنه ولئن كان قانون ديوان المحاسبة قد أجاز للديوان ولذوي الشأن الطعن فيما يصدر عن هيئة المحاكمات التأديبية المشكلة وفقا لأحكام هذا القانون من قرارات تأديبية بالطريق المقرر للطعن في القرارات الإدارية بطلب إلغائها أو التعويض عنها لأي وجه من أوجه مخالفتها للقانون، خلال ستين يوما من تاريخ العلم بها، ومن ثم كان يجوز وفقا لأحكام هذا القانون لرئيس ديوان المحاسبة الطعن على ما يصدر من هيئة المحاكمة التأديبية من قرارات بطرق الطعن المقررة قانونا أسوة بالأفراد، إلا أنه لما كان قد صدر القانون رقم 20 لسنة 1981 بإنشاء دائرة بالمحكمة الكلية لنظر المنازعات الإدارية، وهو قانون لاحق لقانون إنشاء ديوان المحاسبة - أنشأ المشرع بمقتضاه بالمحكمة الكلية دائرة معينة خصها دون غيرها بنظر المنازعات الإدارية المنصوص عليها في تلك المواد، وهي الأمور المتعلقة بشؤون الموظفين المدنيين التي أوردتها والطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية عدا ما استثنى منها وكذا طلبات التعويض الناشة عن هذه المسائل، ولازم ذلك ومقتضاه أن اختصاص الدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية ومن بعدها محكمة الاستئناف لا ينعقد إلا حيث تكون المنازعات المعروضة من بين المنازعات الإدارية المنصوص عليها في المواد سالفة الذكر باعتبار هذا الاختصاص اختصاصا نوعيا أما ما عداها من أقضية فلا تختص بها تلك الدائرة».

وأردفت: «لما كانت هذه الدائرة تختص فقط بالنظر في طعون الموظفين المدنيين الصادرة بتوقيع الجزاءات التأديبية عليهم، ولم يتضمن اختصاصها طعون رئيس ديوان المحاسبة فيما يصدر عن هيئة المحكمة التأديبية المشكلة وفقاً لأحكام قانون إنشاء ديوان المحاسبة من قرارات تأديبية بإدانة الموظف المحال إليها أو ببراءته باعتبار وعلى ما جرى به قضاء محكمة التمييز أن ما يصدر عن هذه الهيئة من قرارات يعد صادرا عن لجنة إدارية ذات اختصاص تأدیبي طبقا لقانون إنشائها».

وأشارت إلى «انه ولئن كانت هذه الهيئة تتمتع بالاستقلال من حيث تشكيلها من جهات مختلفة لتكون بمنأى عن رؤساء الجهات الإدارية لتقوم بمحاكمة الموظفين المحالين إليها الذين يرتكبون مخالفات مالية، إلا أنها تظل تابعة لديوان المحاسبة لاسيما وأنه لم يصدر قانون خاص بها، ولا تتمتع بالشخصية القانونية الاعتبارية المستقلة وتستمد ولايتها بإصدار قرارها بإدانة أو براءة الموظف المحال إليها».

قرار تأدیبي

وذكرت المحكمة: «ولما كانت الدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية وفقا لأحكام قانون إنشائها تختص بالقرارات المحددة بالمادة الأولى من القانون على سبيل الحصر والتحديد، وقد ورد هذا الاختصاص على سبيل الاستثناء، وكان الاستثناء لا يقاس عليه، أو يتوسع فيه ولما كانت الدعوى مدار الاستئناف الماثل - تتعلق بقرار تأدیبي صادر عن هيئة المحاكمة التأديبية بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المقامة من رئيس ديوان المحاسبة (بصفته) ضد المطعون ضدهم لمساءلتهم عن المخالفة المنسوبة إليهم، وقد تم الطعن في هذا القرار من قبل رئيس ديوان المحاسبة».

وأضافت: «لما كان هذا القرار لا يصلح أن يكون محلا لدعوى الإلغاء وفقا للمفهوم القانوني المحدد في القانون رقم 20 لسنة 1981 سالف الذكر، إلا إذا كانت الدعوى مرفوعة من الصادر بشأنه قرار الجزاء التأديبي، ولا يحق للمستأنف (رئيس ديوان المحاسبة بصفته) أن يكون في مركز رافع الدعوى، طعنا على قرار إداري صادر عن هيئة المحاكمة التأديبية بحسبان أن هذا القرار ينفذ في مواجهة الجهة الإدارية التي أصدرته وفي مواجهة المخاطبين به ومن ثم فإن الدعوى لا تدخل في الاختصاص الولائي للدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية».

وأردفت: «وإذ لم تلتزم الدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية هذا النظر، وقضت برفض الدعوى المرفوعة من المستأنف (بصفته) ضد المستأنف ضدهم بما ينطوي على قضاء ضمني باختصاصها حالة كونها غير مختصة ولائيا بنظر الدعوى، الأمر الذي يكون معه الحكم المستأنف مخالفا للقانون واجب الإلغاء، وتقضي المحكمة مجددا بدلا من ذلك بعدم اختصاص الدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية ولائياً بنظر الدعوى».

● حسين العبدالله