تزعم الصين أنها حيادية خلال الحرب الروسية في أوكرانيا، لكن يسهل التشكيك في هذا الحياد: ترفض بكين انتقاد الانتهاكات الروسية لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، وتلوم الولايات المتحدة وحلف الناتو باعتبارهما المحرّضين على الحرب، وحتى الآن لا تزال "شراكة التنسيق الاستراتيجية الشاملة في عصر جديد" بين روسيا والصين صامدة رغم استمرار الحرب، وهي كانت قد أُبرِمت في عام 2019 وأُعيد التأكيد عليها خلال أحدث قمة ثنائية في 4 فبراير الماضي.

لكن هل يمكن اعتبار هذه الشراكة "غير محدودة" كما يزعم الرئيسان شي جين بينغ وفلاديمير بوتين في بيانهما المشترك؟ أوضح السفير الصيني في واشنطن، كين غانغ، أن هذه الشراكة قد تكون لا متناهية لكن يحدّها ميثاق الأمم المتحدة، حيث يمنع هذا الميثاق بكل وضوح استعمال القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس، وتشنّ روسيا حربها ضد الأراضي الأوكرانية اليوم بشكلٍ أحادي الجانب، أما الصين التي أبرمت شراكة استراتيجية مع أوكرانيا في عام 2011، فهي تغفل عن كل ما يحصل، فبرأي بكين، لن يكون انتهاك أهم مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة عائقاً أمام استمرار الشراكة الثنائية.

Ad

مصالح استراتيجية

ما العوامل التي قد تدفع الصين إذاً إلى التشكيك بصوابية شراكتها مع روسيا؟ يتوقف هذا القرار على مصالح الصين الشخصية بالشكل الذي تُحدده قيادة الحزب الشيوعي الصيني، فحين تتعامل بكين مع روسيا، من المنطقي أن تسعى الصين إلى خدمة مصالحها عبر استراتيجية "أقصى المنافع وأقل الأضرار"، مما يعني أنها ستحاول كسب أكبر المنافع من روسيا وحربها في أوكرانيا ومواجهتها مع الغرب، لكنها تريد في المقابل تقليص التداعيات السلبية التي تتحمّلها الصين بسبب هذه المواجهة.

يتعلق أهم هدف مشترك في الشراكة الصينية الروسية بالرغبة في إضعاف النفوذ الأميركي في العالم وتعديل ما يعتبره الطرفان نظاماً دولياً يسيطر عليه الغرب، وتتفق موسكو وبكين على معاداة واشنطن وتُصرّان على تغيير النظام الدولي الراهن كي يتماشى مع توجّهاتهما الأساسية، فهذا الوضع يمنح البلدَين فرصاً كبرى للتعاون، وتستطيع روسيا تحديداً أن تقدّم منافع كثيرة بفضل مقعدها الدائم في مجلس الأمن واستفادتها من حق النقض، وقوتها العسكرية وتقنيات التسلح التي تملكها، ومهارتها في استخدام الفضاء الإلكتروني لأغراض تخريبية، ونفوذها الدبلوماسي وخبرتها الواسعة.

من خلال تنسيق قدرات البلدَين، تستطيع روسيا والصين أن تزيدا تأثيرهما في معاقل النفوذ الغربي، كما فعلتا مراراً حتى الآن، من خلال تنظيم تدريبات عسكرية مشتركة تزامناً مع إطلاق هجمات سيبرانية مُنسّقة، حتى أنهما تستطيعان تغيير الظروف عبر التصويت بالشكل الذي يناسبهما في الأمم المتحدة. لا أحد يستطيع التأكيد بعد على إضعاف الولايات المتحدة والغرب أو زيادة قوتهما بسبب حرب أوكرانيا، لكن قد تؤدي هذه الحرب في نهاية المطاف إلى إضعاف روسيا والغرب معاً، ما يعني تقوية مكانة بكين في وجه واشنطن.

فوائد تجارية واقتصادية

يصعب أن نتوقع طبيعة المنافع التي تستطيع روسيا تحقيقها من هذه الحرب في أي ظرف من الظروف، فمن وجهة نظر الصين، قد تصبح روسيا قوة متخاذلة بسبب التطورات الأخيرة، لكن سيزيد اتكالها على بكين في الوقت نفسه، فهذا الوضع يفيد الصين تجارياً واقتصادياً، أو حتى سياسياً، لأن موسكو ستضطر لمراعاة رغبات الصين، كذلك، قد تدفع الإمبريالية الروسية العدائية بدول آسيا الوسطى إلى زيادة اتكالها على الصين باعتبارها ثقلاً موازناً للنفوذ الروسي المفرط.

لكن مقابل هذه المنافع، يجب أن تُقيّم بكين سلبيات شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، فمن الواضح أن تردد الصين في إبعاد نفسها عن حرب بوتين في أوكرانيا أساء إلى سمعتها، لا سيما في أوروبا، واستفادت الصين من العقوبات الغربية ضد موسكو لاستيراد كميات إضافية من النفط والغاز والقمح من روسيا بأسعار مُخفّضة، لكن بدأت الشركات الصينية تتضرر من تلك العقوبات أيضاً لأنها أصبحت معرّضة لعواقبها الثانوية، ونتيجةً لذلك، يتعامل عدد كبير من تلك الشركات بحذر متزايد مع روسيا اليوم منعاً لانتهاك العقوبات علناً.

لكن قد يكون أثر العقوبات ضد روسيا على الاقتصاد العالمي مثيراً للقلق أكثر من تداعياتها المباشرة على الصين، فقد بدأ تراجع صادرات الوقود الأحفوري والحبوب والمعادن من روسيا وأوكرانيا يخرّب الأسواق العالمية، ويرفع الأسعار بدرجة قياسية، ويزعزع سلاسل الإمدادات. هذا الوضع ينذر بمشاكل كبرى على مستوى الأداء الاقتصادي العالمي، مما يعني أنه يؤثر أيضاً على صادرات الصين ونموها، ومن الناحية السياسية كان الغضب المشترك من حرب بوتين في أوكرانيا كفيلاً بتوحيد صفوف الناتو بقيادة الولايات المتحدة، كما أنه سرّع تحويل الأنظار نحو "التحدي الصيني" ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، وأجّج الحرب الباردة الجديدة بين الديموقراطيات الغربية والتحالف الاستبدادي (أو التوتاليتاري) بين الصين وروسيا. نتيجةً لذلك، زاد زخم الحملة الأميركية الرامية إلى احتواء الصعود الصيني، وأصبحت الروابط التي تجمع واشنطن بحلفائها التقليديين في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط والهادئ أكثر قوة.

لكن يُفترض أن تقلق بكين في المقام الأول من تهور روسيا في عهد فلاديمير بوتين ونزعتها إلى نشر الفوضى عن طريق الحرب. من الواضح أن ميل بوتين إلى التدمير الوحشي يزعزع الاستقرار محلياً وخارجياً، ولا يهتم الرئيس الروسي على ما يبدو بإنشاء نظام سياسي فاعل والحفاظ عليه إذا لم يكن يضمن تحقيق نزواته الخاصة. في المقابل، يطبّق شي جين بينغ استراتيجية طويلة الأمد لمتابعة الصعود الصيني، وهو يتطلع بذلك إلى الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في العام 2049. لتحقيق هذه الغاية، تحتاج الصين إلى شكلٍ من الاستقرار المحلي والدولي، مما يعني ضرورة نشوء نظام عالمي فاعل، كذلك، من الواضح أن أجندة بوتين الأيديولوجية والمتطرفة في أوراسيا ونزعته الإمبريالية العنصرية التي تُركّز على مهمة روسيا المقدسة ونظام الحروب تتعارضان بشدة مع أهداف قيادة الحزب الشيوعي الصيني. يسهل أن تصطدم هذه الأجندة بالمصالح الصينية، لا سيما في آسيا الوسطى حيث تحتاج الصين إلى استقرار سياسي.

حتى الآن، لا تزال الاختلافات بين روسيا والصين خفيّة وراء المودة الظاهرية التي تجمع الزعيمَين في موسكو وبكين، إذ يوحي الرئيسان بأنهما يتبادلان الإعجاب والثقة أو يتظاهران بذلك على الأقل، لكن من خلال تطبيق استراتيجية "أقصى المنافع وأقل الأضرار"، من المتوقع أن تُقيّم بكين طموحاتها الجيوسياسية لإضعاف الهيمنة الأميركية ضد مصالحها الاقتصادية، لهذا السبب، قد تستمر حيادية الصين الموالية لروسيا، مما يعني تراجع قوة روسيا وزيادة اتكالها على الصين وانقيادها بسهولة إلى نطاق النفوذ الصيني، لكنّ هذا الوضع لن يدفع الصين إلى استعمال ثقلها لإنهاء الحرب وتحمّل مسؤوليتها كقوة عالمية مؤثرة.

* هانز مول

The Diplomat