تراجعت صادرات الأسلحة الروسية إلى جنوب شرق آسيا بدرجة كبيرة خلال العقد الماضي، فقد شدّدت الدول الغربية عقوباتها على قطاع الصناعة العسكرية في روسيا، مما يزيد الشكوك بقدرة البلد على متابعة تزويد المنطقة بالأسلحة بعد غزو أوكرانيا.

تتفوق روسيا في منطقة جنوب شرق آسيا لأنها تمكنت من تقديم تقنيات عسكرية متقدمة بأسعار منخفضة نسبياً، وتبدي موسكو أيضاً استعدادها لبيع الدبابات والأسلحة الصغيرة والطائرات المقاتلة إلى الدول هناك بغض النظر عن طبيعة حكوماتها أو توجهاتها، بما في ذلك ميانمار وكمبوديا اللتان تخضعان لأنواع مختلفة من الحصار والعقوبات الغربية، ووفق بيانات «معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام»، يشمل أهم عملاء روسيا في المنطقة، بين العامين 2000 و2021، حكومات فيتنام التي اشترت أسلحة بقيمة 6.5 مليارات دولار، ثم ميانمار (1.7 مليار دولار)، وماليزيا (1.3 مليار دولار)، وأندونيسيا (1.2 مليار دولار).

Ad

لكن نظراً إلى حجم العقوبات المفروضة على روسيا منذ غزو أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، وهي تفوق أي عقوبات أخرى أو قيود راهنة على التصدير، من المتوقع أن تتابع صادرات الأسلحة الروسية تراجعها في الفترة المقبلة.

بعيداً عن تأثير العقوبات، يتساءل الكثيرون أيضاً حول قدرة روسيا على التمسك بدورها كشريكة جديرة بالثقة لتصدير الأسلحة كونها تحتاج إلى التعويض عن الخسائر الكبرى التي تكبدتها في أوكرانيا، ونظراً إلى قلة الكفاءة التي أظهرتها روسيا خلال الحرب حتى الآن، إلى أي حد يمكنها أن تحتفظ بسمعة جيدة كمُصنّعة للأسلحة؟

شهدت ميانمار وضعاً مشابهاً منذ الانقلاب العسكري في فبراير 2021، مما أدى إلى إعادة فرض العقوبات الغربية على البلد، وخلال الشهر الذي تلا الاستيلاء العسكري على الحُكم، أرسلت روسيا نائب وزير الدفاع، ألكسندر فومين، إلى ميانمار لحضور العرض السنوي في «يوم القوات المسلحة» في نايبيداو لزيادة مبيعات الأسلحة، إنها خطوة منطقية من وجهة نظر جيش التاتماداو لأنه ينظر إلى الخيار البديل (الصين) بعين الشبهة.

لكن لم تطلب ميانمار بعد كميات كبيرة من الأسلحة الروسية منذ الانقلاب، وقد ألمح المجلس العسكري إلى نشوء مشاكل محتملة في مجال تصدير الأسلحة الروسية مستقبلاً بسبب الصراع الأخير في أوكرانيا.

تحتل روسيا أهمية كبرى في مجال تجارة الأسلحة في المنطقة، وهذا ما يفسّر على الأرجح ردة الفعل الحذرة التي أبدتها الدول الإقليمية تجاه غزو فلاديمير بوتين لأوكرانيا، وقد انتقدت دول جنوب شرق آسيا الغزو الروسي، لكن لم ينضم أيٌّ منها إلى حملة العقوبات الدولية ضد موسكو، باستثناء سنغافورة، كذلك بقيت معظم الانتقادات مبهمة وعامة بدل إدانة التحركات الروسية صراحةً.

تأثرت هذه المواقف على الأرجح برغبة المنطقة في متابعة استلام الأسلحة من روسيا واتكالها القديم على المنصات العسكرية والمعايير الروسية، لكن يبقى هذا العامل جزءاً بسيطاً من تقييم واسع للمواقف التي تخدم المصالح الوطنية في مختلف دول جنوب شرق آسيا.

تتعدد الحكومات الإقليمية التي تعتبر أزمة أوكرانيا مسألة بعيدة وغير مرتبطة بمصالحها مباشرةً، مع أنها قد تؤثر على وضعها الاقتصادي، وتفضّل هذه الحكومات أن تتبنى موقفاً حيادياً في ظل توسّع الانقسامات الاستراتيجية والأيديولوجية بسبب الغزو الروسي. يجب ألا ننسى أيضاً أن روسيا تملك مقعداً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وتحافظ على روابطها مع دول مثل فيتنام ولاوس منذ الحرب الباردة، وحتى لو لم تعد روسيا مصدراً مهماً للأسلحة في جنوب شرق آسيا، يبدو أن معظم دول المنطقة تفضّل أن تتبنى مواقف وسطية في مطلق الأحوال.

* سيباستيان سترانجيو

The Diplomat