يتساءل الكثير منّا عمّا تحتاجه أوطاننا للنهوض من كبوتها؟ وعمّا تتطلبه مجتمعاتنا للاستيقاظ من غفوتها؟ والأجوبة- التي عادة ما تكون مكررة وتقليدية- تتحكم في تفاصيلها تارة الحماسة والعاطفة لا المنطق والعلم، ويصوغ مفرداتها طوراً اليأس والاستسلام لا السعي والحلم.

كثرت الدراسات، وتعددت الأوراق، واجترت البيانات، وتزاحمت الخطابات، وجادت القرائح بالغزير من الطروحات التي تركز على الإصلاح وتبين متطلبات التنمية ووسائل تحقيقها، والنتيجة واحدة: انزلاق يليه تدهور ويتبعه سقوط حر إلى الهاوية على كل المستويات، الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وحتى الدينية والأخلاقية!

Ad

التخلف هو أن تتحول الحرية إلى ثرثرة في القول وفساد في الفعل، فالخسران هو أن تصبح الخطط- التي عادة ما يطولها العفن في أدراجنا- مجرد أوراق يدفع الملايين لصياغتها وتهدر الأوقات في إعدادها، وتتضافر الجهود لإفشالها، أما العجز والعقم فهما النتيجة الحتمية للعلاقة الملتبسة بين سلطات عاجزة وشعوب كسولة أو سطحية ودائمة المعاناة والتأفف.

الكل يعرف الداء لكنه لا يتجرأ على تجرّع مرارة الدواء، فلا فرق هنا بين سلطة وشعب، ولا بين نظام ديموقراطي وغيره أقل ديموقراطية، فلكل دولة من دولنا العاجزة واقعها ومشاكلها، ولكل مجتمع من مجتمعاتنا آفاته ومعوقات تقدمه.

قد يكون للظروف الطبيعية وللعوامل الخارجية وللمؤامرات العدائية حصة مؤثرة في ما وصلت اليه أحوالنا، ولكن السبب الرئيس لما نحن عليه من شلل وجهل وضمور النعمة اقترفته أيدينا، وجادت به طبائعنا، وسقته غرائزنا، وفاضت به مطامعنا، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الأنفال: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ».

واجب التغيير يقع على المحكوم أولاً: «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ»، فالطالب الذي لا يرى في مدرسته أو جامعته سوى عقوبة إلزامية ينال في نهاية مدتها الشهادة لا يصلح أن يتسلم دفة الأمور فيما بعد، والمواطن الذي لا يرى في دولته سوى بقرة حلوب لن يدرك المعنى الحقيقي لعبارة «دافعي الضرائب»، والناخب الذي يتحكم في خياراته انتماء عائلي أو تعصب قبلي أو تزمّت ديني لا يستحق ممثلين إلا على شاكلته، والراشي الذي يبرر لنفسه موبقات التذاكي للحصول على ما لا يستحقه يستأهل مرتشيا يتربع على عرش الإدارة ويتحكم في قرارها!

أما مسؤولية التطوير فهي تقع بشكل رئيس على من يملك مفاتيح السلطة والإدارة، إذ لا يستقيم حكم بلا حزم، ولا يتحقق حلم بلا عزم، أسلوب الحكم والإدارة يجب أن يتفاعل مع خصائص الحاضر بمعوقاته ومقدّراته، وينبغي أن يستشرف المستقبل بصعوباته وطموحاته، وخطط الإصلاح يجب أن تتماشى مع متطلبات الوعي السياسي والإدراك المعرفي للنخب الشعبية، وأن تستفيد من حماسة الشباب ونبض رؤاهم الطموحة، وتذبذب الوضع الاقتصادي وعدم الاستقرار المالي لا يصلحهما القلم والورق بل الإرادة والعرق.

تدهور حال الإدارة وتراجع الخدمات العامة وانتشار الفساد الصريح والمبطن لا يردعها إلا ميزان العدل ومسطرة القانون وهيبة تطبيقه، وبين واجب التغيير ومسؤولية التطوير فإن متانة العقد الاجتماعي بين مكونات المجتمع من جهة وبين المجتمع والدولة من جهة أخرى تبقى ضرورة للنهضة والتنمية، إذ لا بد أن يستوعب حضن المواطنة أي تغيّر ديموغرافي وأي تبدّل في التركيبة السكانية، فمن دواعي السقوط إلى الهاوية أن يقف الانتماء أو العرق أو الجنس أو الاعتقاد عائقاً أمام وحدة الصف والاستفادة من النخب والمشاركة في رسم المستقبل.

وحتى لا يبقى الكلام في الإصلاح وعنه تنظيراً، لا بد من الاستغناء عمّا درجت عليه العادة من تبني وتسويق خطة تنموية تعِد بالعشرات- وربما المئات- من المشاريع الضخمة والواعدة، ونتيجتها التقليدية تشتيت في التركيز وثقل في الحمل، الأمر الذي يتبعه بشكل حتمي شيوع في المسؤولية وتبادل للاتهامات، فالقفزة النوعية لا تكون إلا من خلال سياسات مركزة وخطة غير فضفاضة، بحيث يقتصر التركيز على بعض المشروعات الرئيسة القابلة للتنفيذ بخطى رشيقة ومتناسقة، يكون فيها للجهات الحكومية واجب الرقابة وللقطاع الخاص مسؤولية الريادة، وللمواطن شرف وحق المشاركة. واتساقاً مع ذلك يقتضي الأمر سرعة اتخاذ بعض الخطوات غير الشعبية سياسياً، والجريئة اقتصادياً، والوطنية على مستوى الالتزام الضريبي وإصلاح سياسات التوظيف.

بعبارة واحدة: ما تحتاجه أوطاننا مواطن صالح ومسؤول، ومسؤول مصلح ومواطن.

* كاتب ومستشار قانوني.

د. بلال عقل الصنديد