في أواخر شهر مارس، أعلن الجيش الروسي أنه يستعد للانسحاب من شمال أوكرانيا بعد شهرٍ على فشله في الاستيلاء على العاصمة الأوكرانية، فكشف انسحابه أدلة قاتمة على ارتكاب جرائم حرب، ففي بلدات مثل "بوتشا"، عثرت الحفارات على آثار 300 جثة على الأقل تعود إلى مدنيين، وكان معظمهم رجالاً في عمر الخدمة العسكرية.

لا يمكن أن ينكر أحد فظاعة هذه الجرائم، وفي نهاية المطاف، يتحمّل القائد الأعلى فلاديمير بوتين مسؤولية تصرفات جيشه، لكن يصعب أن تفاجئ هذه الجرائم، مهما كانت مريعة وغير مبررة، كل من هو مطّلع على طبيعة الجيش الروسي، حيث يحمل هذا الجيش تاريخاً طويلاً من الانتهاكات، ولطالما فشل في تبنّي ثقافة داخلية للحد من هذه التصرفات وتقليص الأضرار الجانبية.

Ad

في أبريل 1989، منذ أكثر من ثلاثين سنة، شاهد العالم توغّل الجنود وسط المتظاهرين السلميين، فراحوا يضربونهم وألقوا عليهم قنابل صوتية، وهذا ما حصل في تبليسي، بجورجيا، وكان الجنود حينها عناصر في القاعدة السوفياتية المحلية التي تلقّت أمراً بتفريق الاحتجاجات، وخلال العقود الماضية، كان القمع الوحشي يمرّ على الأرجح من دون أن يلاحظه أحد محلياً، حتى لو حصد استنكاراً دولياً، لكن شكّل عام 1989 نقطة تحوّل لسياسات ميخائيل غورباتشوف، وواجه الجيش السوفياتي للمرة الأولى في تاريخه مطالب بمحاسبته على أفعاله وأدانته القيادة المدنية.

كان يُفترض أن تحصل محاسبة كتلك التي تلت مأساة تبليسي منذ وقتٍ طويل، فأصبحت الأعمال الوحشية التي شهدتها جورجيا شائعة في أوساط الجيش السوفياتي المعاصر ثم الجيش الروسي لاحقاً، وبدأت الحرب في أفغانستان بين العامَين 1979 و1989 بطريقة وحشية جداً فاستعملت القوات السوفياتية ذخائر عنقودية لاستهداف مناطق كبرى، فقصفت القرى وأعدمت المدنيين، وبعد أحداث تبليسي، استُعملت الذخائر الحية والأسلحة الفتاكة بالطريقة نفسها في باكو وفيلنيوس ضد المدنيين بين العامين 1989 و1991. في كل واحدة من هذه الحالات، انتشرت دعوات للتحقيق بالجرائم الحاصلة ومحاكمة المجرمين. نتيجةً لذلك، شعر كبار القادة العسكريين بأن القيادة السياسية تُضحّي بهم وانعكس هذا الوضع على تصرفاتهم خلال انقلاب آب 1991.

لطالما كانت مؤسسة الجيش في روسيا والاتحاد السوفياتي غير سياسية لكنها تتمتع باستقلالية عالية، ربما كان الجيش يخضع للسلطات المدنية، لكن يبقى هامش صلاحياته واسعاً في طريقة إدارة شؤونه. (في روسيا بعد الحقبة السوفياتية، تلاشت هذه الاستقلالية تدريجاً بسبب ممارسات بوتين السياسية، مع أن الجيش يبقى لاعباً أساسياً في هذا النظام ومن أكبر المستفيدين منه). سرعان ما أصبحت محرمات سابقة محط نقاش علني وسخط شعبي واسع، منها ممارسة "ديدوفشتشينا" التي تشير إلى مضايقات وحشية وغير إنسانية يتعرّض لها المجندون خلال خدمتهم العسكرية، وكانت هذه الممارسة تتجاوز حدود المضايقة في معظم الأحيان وتصل إلى حد الاعتداء الجنسي والجسدي.

في بعض الحالات، أقدم المجندون على قتل زملائهم الجنود في أفغانستان رداً على سوء معاملتهم، واعتُبرت قلة الإنسانية في ممارسة "ديدوفشتشينا" مبررة باعتبارها ضرورية "لترويض" المجندين وتلقينهم عقلية مناسبة للحياة العسكرية، وتطبّق جميع جيوش العالم هذا النوع من الممارسات بطريقة أو بأخرى وبدرجات متفاوتة لأنه نهج ضروري لتحضير الناس ذهنياً لقتل إنسان آخر، لكن الممارسات الروسية كانت تفتقر إلى ضبط النفس أو المحاسبة، على عكس الجيوش الغربية التي حاولت الالتزام بهذه المعايير، فلا يتعلق الهدف الأساسي بفرض الانضباط فحسب بل بالرضوخ لسلسلة القيادة بالكامل.

أدى انكشاف ممارسات "ديدوفشتشينا" في أواخر الثمانينات إلى تضرر صورة الجيش وتوسيع ظاهرة الهرب من الخدمة العسكرية، وفي السنوات الأخيرة من عصر الاتحاد السوفياتي، توقف حتى 90% من الشبان المؤهلين للخدمة العسكرية عن التواصل مع قادتهم، كذلك، زادت الضغوط من داخل البرلمان السوفياتي ثم الروسي لزيادة السيطرة على الجيش وتكثيف مراقبته. قاد أناتولي سوبتشاك، الذي أصبح لاحقاً رئيس بلدية مدينة "سانت بطرسبرغ" والمرشد السياسي لفلاديمير بوتين وديمتري مدفيديف، لجنة تحقيق حول أحداث تبليسي واكتشف أن الضابط المسؤول مذنب، لكنه لم يتعرّض للملاحقة القضائية يوماً.

سرعان ما طغت الاضطرابات السياسية، بعد انهيار انقلاب شهر أغسطس، على مساعي توسيع الرقابة ضد الجيش، وقد اشتق هذا الوضع جزئياً من فقدان وزير الدفاع السوفياتي سيطرته على نفسه ومطالبته القوات العسكرية بالعودة إلى الثكنات، ثم تفكك الاتحاد السوفياتي ورفض الجيش الخروج من ثكناته مجدداً لإنقاذه، فلو طبّقت روسيا مساراً مشابهاً للدول الواقعة في غربها، مثل بولندا أو ألمانيا الشرقية أو رومانيا، كانت الحكومة الجديدة ستتمكن من كسر تقاليدها القديمة التي تقضي باستعمال أدوات الاستبداد لفرض سيطرتها على الدولة، لكن لم يحصل ذلك، عمد بوريس يلتسن إلى إصلاح الاستخبارات السوفياتية وغيّر اسمها مثلاً، لكنه لم يفككها، كذلك، أُعيد تشكيل الجيش رسمياً في مايو 1992 على شكل القوات الروسية المسلّحة.

بحلول عام 1993، دُعِي الجيش مجدداً لتسوية خلاف سياسي، وتلقى بافل غراتشيف، الذي أصبح اليوم وزير الدفاع الروسي، أمراً من بوريس يلتسن يدعوه إلى استعمال القوة العسكرية لحل البرلمان الروسي الذي كان يُهدد بعزل يلتسن، فوافق غراتشيف على فعل ذلك بعد تلقيه أمراً خطياً واضحاً، وهكذا سحق الجيش الروسي البرلمان بسلاسة فائقة، مما أسفر عن مقتل 150 شخصاً وإصابة أكثر من 500 آخرين، فشملت هذه الحصيلة جندياً من البحرية الأميركية كان جزءاً من فريق السفارة الأميركية، وهنّأ العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، يلتسن على تصرفاته.

بعد فترة قصيرة، انشغلت روسيا بأول حرب وحشية لها في الشيشان، في عام 1994، ولجأ جيشها الذي يفتقر إلى التمويل والتدريب هناك إلى عمليات قصف عشوائية وحاول في الوقت نفسه الاستيلاء على "غروزني" ومدن شيشانية أخرى، ثم أُقيل غراتشيف وتصاعدت الضغوط على يلتسن نتيجة زيادة عدد الضحايا، ففرض الوضع المستجد وقف إطلاق النار، لكن بقيت جميع التعديلات في صفوف الجيش ظاهرية مجدداً، ولم تحصل أي محاولة جدّية لمعالجة الثقافة الكامنة وراء ارتكاب جرائم الحرب. أدت العمليات الإرهابية غير المتماثلة في المرحلة اللاحقة ضد المدنيين الروس من جانب المقاتلين الشيشان إلى تجديد الصراع وأهوال الحرب، لكن تمكن الروس الذين تعاونوا مع الميليشيات المحلية المتحالفة هذه المرة من إعلان الفوز، مع أن الشيشان أصبحت مُلكاً شخصياً لعائلة قديروف.

بما أن نظام بوتين ارتكز في الأساس على المبادئ التي وضعها يلتسن، صمدت القوات المسلحة مجدداً وباتت تُعتبر ركيزة أساسية للهوية الروسية، ولم يواجه الجنود الروس الذين ارتكبوا جرائم حرب في جورجيا وسورية وأوكرانيا (قبل الصراع الحالي) أي إجراءات تأديبية، ولم يتعلم الجيش ككل أي ثقافة مؤسسية قد تساعده على تقليص عدد الضحايا المدنيين، وفي المقابل، سارت الجيوش الغربية في الاتجاه المعاكس، ولو أن إيقاع عملياتها تأثّر بدرجة معينة، لكن أوساط الجيش الروسي افتقرت لأي ضمانات مماثلة، ولم يساعدها احترافها المزعوم على تقليص هذا النوع من السلوكيات.

تؤكد المشاهد المأساوية الصادرة من أوكرانيا هذا الواقع اليوم، حيث يأمر الضباط في أعلى سلسلة القيادة باستعمال القوة بأكثر الطرق وحشية ضد أي جهات مستهدفة لإجبارها على الرضوخ، ما يشير إلى القواعد المستعملة في الشيشان سابقاً، وفي هذه الظروف، يجد الجنود من جميع الوحدات والمراتب أنفسهم في أراضٍ عدائية ووسط شعبٍ قيل لهم إنه يكرههم. يكون هؤلاء الجنود مسلّحين ولا ضوابط لتصرفاتهم. إنه خليط مناسب لارتكاب أعمال وحشية منهجية، ولا مفر من أن تستمر هذه الأعمال في أوكرانيا.

كانت الفرصة سانحة خلال التسعينيات على الأرجح لإجبار الجيش على تغيير ثقافته وإخضاعه لرقابة أكثر تشدداً، لكن هُدِرت تلك الفرص حينها كما حصل في مناسبات أخرى كثيرة، فكانت الإصلاحات التي تلت الحرب ضد جورجيا في عام 2008 تهدف في الأساس إلى زيادة سلاسة القتال وفاعليته تزامناً مع الحفاظ على تماسك الجيش في وجه الأعداء، وفي غضون ذلك، وُضِعت جانباً المفاهيم التي تضمن تدريب الجنود والضباط على قواعد وسلوكيات الحرب بالشكل الذي يُحدده "بروتوكول جنيف"، ونتيجةً لذلك، استرجع الجيش انضباطه وقوته المتماسكة في العمليات المحدودة، لكنه لم يندم على أفعاله الماضية.

كان هذا الوضع يتعارض بشدة مع نهج الجيوش الغربية، حيث أصبح التشديد على تجنّب جرائم الحرب ركيزة أساسية من الثقافة العسكرية السائدة. تحصل جميع الأعمال الوحشية راهناً لأن الجيش الروسي لم يتجاوز يوماً عقلية أسلافه السوفيات، فهو يتابع التركيز على الطابع الفتّاك للقتال وتحقيق النصر بأي ثمن، ولا تتجنب مؤسساته الأسلوب الوحشي وتستخف بحياة الناس، مما يُمهّد لارتكاب أعمال وحشية جديدة من دون محاسبة المرتكبين.

* جيف هون

ridl