منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، امتنعت الهند عن التصويت على القرارات المرتبطة بهذا الملف 11 مرة في منتديات متنوعة، بما في ذلك الجمعية العامة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها الهند أعمال العنف بكل وضوح ودعت إلى حل الصراع عن طريق الحوار والدبلوماسية، كذلك، طالبت باحترام سيادة جميع الدول ووحدة أراضيها، وأرسلت مساعدات إنسانية إلى أوكرانيا، وعبّرت عن استيائها من مقتل المدنيين في مدينة «بوتشا» الأوكرانية، ودعت إلى إجراء تحقيق مستقل حول هذه الحادثة.

أوضحت الهند أسباب امتناعها عن التصويت في مناسبات عدة عبر التأكيد على مقاربتها الحيادية بما أن هذه الحرب لا تخصّها، لا تستطيع الهند أن تنحاز إلى طرف معيّن نظراً إلى تعاونها الدفاعي الوثيق مع روسيا، فوفق تقرير صادر عن «معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام» بعنوان «الاتجاهات في عمليات نقل الأسلحة الدولية لعام 2021»، كانت الهند أكبر مستوردة للأسلحة بين العامين 2017 و2021، فبلغت حصتها 11% من إجمالي واردات الأسلحة العالمية، فتأتي معظم تلك الأسلحة من روسيا، وتراجعت حصة الهند من واردات الأسلحة الروسية من 69% بين العامين 2012 و2016 إلى 46% بين 2017 و2021، لكن لا تزال روسيا أكبر مورد أسلحة إلى الهند، ويتزامن انخفاض كمية الواردات من روسيا مع زيادة واردات الدفاع من فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل.

Ad

توحي التهديدات الأمنية المتواصلة من الصين وباكستان بأن الهند تحتاج إلى الوقت قبل أن تُنوّع وارداتها الدفاعية وتزيد إنتاج الأسلحة محلياً، فقد تلقّت الهند حديثاً الدفعة الثانية من نظام الصاروخ الدفاع الجوي «إس-400» من روسيا، ولهذا السبب، لا يمكن تقييم التزامات الهند مع روسيا بالشكل الذي تفعله الدول الغربية.

قد يحمل الغرب والهند رأيهما الخاص حول الصراع الروسي الأوكراني، لكن تبذل الهند جهوداً كبرى لتجاوز الخلافات وتتابع في الوقت نفسه التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتتضح هذه النزعة عبر التزامات الهند الخارجية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، وفي آخر شهرَين، انشغلت الهند بجدول دبلوماسي مكثّف وشاركت في عدد كبير من الاجتماعات رفيعة المستوى.

تشمل نشاطات الهند زيارات من رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، فضلاً عن قمم افتراضية بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، واجتماعات ثنائية بين وزراء الخارجية والدفاع من الهند والولايات المتحدة، وفي المقابل، اقتصر التواصل الهندي الروسي على زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى الهند، ومكالمة هاتفية بين مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

يثبت هذا التواصل مع الولايات المتحدة، واليابان، وأستراليا، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، أن الهند تتابع التركيز على منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. أصبحت الولايات المتحدة واليابان وأستراليا جزءاً من تحالف رباعي إلى جانب الهند، أما بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فهما يحاولان توسيع نفوذهما في تلك المنطقة من خلال صياغة سياساتهما هناك، تُعتبر الهند شريكة مهمة لهذه الدول كلها في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، فهي تؤكد على أهمية تعزيز التعاون الاستراتيجي مع الدول التي تحمل العقلية نفسها للتصدي للعدوان الصيني، وستكون شراكة الهند مع التحالف الرباعي وكيانات أخرى ضرورية لترسيخ حرية الملاحة والنظام المبني على قواعد واضحة في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ.

في المقابل، تبقى علاقات الهند مع روسيا محدودة رغم قوتها، إذ يتراجع التواصل بين البلدين خارج نطاق تعاونهما الدفاعي، وخوفاً من العزلة الدولية، حاولت روسيا توسيع علاقاتها مع الهند في قطاع الطاقة عبر عرض إمدادات النفط عليها بأسعار مُخفّضة، وزادت الهند مشتريات النفط الروسي منذ بدء الحرب، لكن تشكّل هذه الكمية بين 1 و2% من إجمالي واردات النفط إلى الهند رغم زيادة الكميات التي يشتريها البلد. حتى أن الهند تسعى إلى كبح هذه النزعة فقد استبعدت «مؤسسة النفط الهندي»، أهم شركة لتكرير النفط في الهند، جبال الأورال الروسية من أحدث مناقصة شاركت فيها.

كذلك، ألغى سلاح الجو الهندي خططاً لشراء 48 مروحية من طراز Mi-17 V5 من روسيا، لكن قيل إن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز مبادرة «صُنِع في الهند». وفي الشهر الماضي أيضاً، أعلنت الهند عن منع استيراد 107 سلع دفاعية على مراحل، ومن المنتظر أن يسري مفعول هذا القرار بين كانون الأول 2022 وكانون الأول 2028. تتعدد الواردات التي ستصبح محظورة، منها عدد من قطع الدفاع الروسية مثل الأنظمة الفرعية للأسلحة والمنصات الروسية (بما في ذلك دبابات «تي-90» و«تي-72»)، ومركبات المشاة القتالية BMP-II، والسفن الحربية، والغواصات، والصواريخ المضادة للدبابات. تؤكد هذه التطورات على أن مبادرة التصنيع المحلي داخل الهند، بغض النظر عن دوافعها، ستؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع اتكال البلد على الأسلحة الروسية.

في الوقت الراهن، لا تزال نهاية الحرب الروسية الأوكرانية غير مؤكدة، لكن ربما بدأت الهند منذ الآن تتخذ الخطوات اللازمة لإبعاد نفسها عن موسكو مستقبلاً في حال أصبحت روسيا شريكة الصين الصغرى بعد الحرب، كما يتوقع بعض الخبراء. يبقى فك الارتباط عن روسيا بالكامل مستحيلاً، لكن من الواضح أن الهند تعطي الأولوية اليوم لمصالحها الاستراتيجية التي تتطلب توثيق التعاون مع الدول الغربية.

* نيرانجان مرجاني

The Diplomat