على غرار الشعور بمعاناة المتقاعدين، والالتفات لهم بعين التقدير والاهتمام، وتسليط الضوء عليهم، بعدما كانوا على هامش الذاكرة، أقترح على كل من يهمه الأمر الالتفات إلى «ربات البيوت» اللاتي آثرن تربية أبنائهن على الوظيفة، فالجنود الخفية للعوائل والأسر هن أولئك اللاتي ضحين بطموحهن في سبيل رعاية وتربية أبنائهن، فرغم شح الدخل والمصدر فإن رسالة الأمومة بالنسبة لهن كانت أهم وأولىٰ من فكرة الإيعاز بعاملة منزلية (غريبة) تلازم الأطفال في أثناء غياب الأم للعمل.

ولا تستطيع تلك الأم «المناضلة» التفريط برسالتها حتى إن أثر ذلك سلبا على احتياجاتها ورغباتها كأي امرأة في هذا الكون، فهي كائن وجد ليعطي عطاء لا يقبل النقص، لذلك نجد كثيرات يصعب عليهن الموازنة بين شؤون البيت والوظيفة، فإما تتنازل عن جزء من طاقتها لبيتها في سبيل الوظيفة والراتب، أو أن تتنازل عن الوظيفة في سبيل أمومتها.

Ad

فلو توافرت للأمهات حق الاختيار لاخترن رعاية أبنائهن حتى سن معينة، ولا أفهم لماذا لا تشجع الدول الأمهات في هذا الجانب تحديدا، فأغلب الدول المتقدمة تصرف راتبا لربات البيوت يسمى Stay-at-home moms salary حتى يتسنى لها ممارسة أمومتها دون قلق «العازة» أو الشعور بأنها «عالة» وثقل على والديها أو زوجها. فشعور المرأة بالاستقلالية والأمان المادي يعطيها القوة الكافية لرعاية أطفالها دون توتر أو منغصات أخرى، وكم من الأمهات الموظفات يتأخرن عن العمل صباحا أو يحاولن بجهد طلب «استئذانات» إضافية، أو تصاريح من مديريهن! وكم منهن ظُلمن في التقييم السنوي لظروفهن الخاصة! فهل يعني ذلك أنهن غير كفؤات، أو أن الرجال أقوم بالعمل منهن؟ بالتأكيد لا، ولكنها تناضل بين شؤون أبنائها ومدارسهم، وبين وظيفة وراتب.

وإن كانت المرأة تتمتع بامتيازات وظيفية تخص أمومتها، إلا أن كثيرات لا تسمح ظروفهن بالعمل في فترة رعاية صغارهن تحديداً، ومع ذلك يجبرن على العمل لحاجتهن لذلك، ويجبرن على إبقاء «عاملة» غريبة مع أطفالهن على مضض، فلمَ لا يخصص للأمهات راتب رمزي لا يقل عن 300 دينار شهريا كمثال، تناله من تختار البقاء في المنزل؟ ولمَ لا توفر الدولة حق الأم في الاختيار ما بين الوظيفة أو الأمومة؟ ولماذا تكون دائما في حال لا تعرف خلاصا لها، فهي أشبه بالحبل الذي يشد من طرفيه دون رحمة.

لا أعلم حقا إن كان لصوتي صدى، لكنني أؤمن أن الحق لابد أن يُستحق يوما، وتحية لكل أمهات الكون.

تهاني الرفاعي