وضع إيمانويل ماكرون يسير من سيئ إلى أسوأ! للمرة الأولى على الإطلاق، بدأ المعلّقون السياسيون في فرنسا يفكّرون باحتمال ألا يفوز بولاية ثانية، حيث يشير أحدث استطلاع أجرته صحيفة «لوفيغارو» حول وجهة تصويت الناس إلى تفوّقه على مارين لوبان بفارق نقطة واحدة.

سبق أن علّمتنا تجارب «بريكست» ودونالد ترامب ألا نبالغ في ثقتنا بنتائج استطلاعات الرأي، لكن من الواضح أن حملة ماكرون الانتخابية تواجه المشاكل، ففي الفترة نفسها من الشهر الماضي، كان الرئيس الفرنسي متفوقاً على لوبان بفارق 18 نقطة وبدا فوزه بولاية ثانية مؤكداً.

Ad

ما الأخطاء التي أوصلته إلى هذه الحالة؟ لا يمكن أن يلوم ماكرون إلا نفسه، فهو يبدو متغطرساً وراضياً عن نفسه بدرجة مفرطة، ولطالما افترض أن إعادة انتخابه مضمونة، هكذا كان موقفه قبل بدء جهوده الدبلوماسية المكوكية في شهر فبراير، تزامناً مع حشد القوات الروسية على الحدود الأوكرانية.

أيّد الفرنسيون محاولته إقناع بوتين بالامتناع عن شن الهجوم، فارتفعت نِسَب تأييده إلى مستوى قياسي وبلغت 33%، واعتبر ماكرون هذه الأرقام مؤشراً على صوابية طرح نفسه كزعيم حربي للبلد لضمان فوزه.

نتيجةً لذلك، غاب ماكرون بشكلٍ شبه تام عن الساحة المحلية في آخر ستة أسابيع، وقد كان المرشّح الرئاسي الوحيد الذي يغيب عن المناظرة التلفزيونية الأساسية من بين 12 مرشحا آخرين، لكن تجاوز الفرنسيون الحرب في أوكرانيا، رغم انزعاجهم المستمر من المشاهد الصادرة من «ماريوبول» و»بوتشا». بدأ الناخبون يُركّزون مجدداً على العواقب الاقتصادية التي يحملها ذلك الصراع، ويكشف استطلاع جديد أن 43% منهم يشعرون «بقلق شديد» من الوضع القائم.

هم يريدون أن يعرفوا التدابير التي سيتخذها المرشّحون لمنع أزمة كلفة المعيشة من الخروج عن السيطرة، فركّزت لوبان على هذه المخاوف، وحذا اليساري المخضرم جان لوك ميلانشون حذوها وشهدت نسبة تأييده ارتفاعاً مستمراً في الأسابيع الأخيرة، حتى أن بعض الفرنسيين يفكر اليوم بالمراهنة على حصول مواجهة بين لوبان وميلانشون في الجولة الثانية.

لم يكن يوم الأربعاء الماضي إيجابياً بالنسبة إلى ماكرون، فقد أعلنت عائلة صامويل باتي، المدرّس الذي قُتِل بوحشية على يد إسلامي في أكتوبر 2020، أنها تتجه لمقاضاة وزارتَي التعليم والداخلية لأنهما «امتنعتا عن مساعدة شخصٍ في خطر»، كذلك قررت عائلة إيفان كولونا، الإرهابي الذي كان يناضل من أجل استقلال كورسيكا عن فرنسا وقُتِل في النادي الرياضي التابع للسجن في الشهر الماضي على يد إسلامي، أن ترفع دعوى ضد الدولة. هم ينسبون مقتله إلى «سلسلة من الأخطاء الإدارية».

لكن قد تتعلق أسوأ لحظة واجهها ماكرون خلال هذه الحملة الانتخابية بتعليق أدلى به في الأسبوع الماضي، فقد سُئِل خلال جولة له في غرب فرنسا عن رأيه بمزارع محلي أطلق النار على رجلٍ اقتحم عقاره وينتمي إلى عصابة مؤلفة من أربعة لصوص، فاتُّهِم المزارع بالقتل رغم ادعائه أنه كان يدافع عن نفسه ويحمي ابنته البالغة من العمر ثلاث سنوات، فانحاز ماكرون للقتيل وأعلن أنه يعارض حجّة الدفاع عن النفس فقال: «نحن دولة دستورية. يجب أن نلتزم بالقوانين وإلا سنصبح أشبه بالغرب المتوحش».

كان ذلك الرد عفوياً وكارثياً في آن، لكنه يكشف إلى أي حد يبقى ماكرون بعيداً عن الناخبين العاديين، وفي هذا السياق، تقول لوبان وإريك زمور إن فرنسا تحوّلت أصلاً إلى نسخة من «الغرب المتوحش»، فقد أصبحت الجرائم العنيفة فيها مشكلة دائمة ويشعر الناس باليأس من الفوضى المحيطة بهم.

سارع مستشارو ماكرون إلى الحد من الأضرار، فأكدوا أن كلامه اقتُطِع من سياقه الحقيقي، لكن فات الأوان على تصحيح الموقف، فبدأت نِسَب تأييده تتراجع منذ ذلك الحين، فلم يعد ماكرون إذاً مجرّد رئيس غني ومتغطرس، بل إنه منفصل عن الواقع أيضاً وقد يصبح قريباً خارج السلطة.

* غافين مورتيمير

The Spectator