تكرر هذا العام مشهد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، والذي عاشه الناخب الفرنسي منذ خمس سنوات! وها هو مجدداً أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن يصوت في الجولة الثانية لانتخاب الرئيس الفرنسي الحالي (إيمانويل ماكرون) والذي حصل على نسبة 27.60% من الأصوات في الجولة الأولى من هذه الانتخابات التي جرت الأحد الفائت، أو يختار زعيمة التجمع الوطني (ماري لوبان) والتي حصلت على نسبة أصوات تصل إلى 23.41%، ويختار بالتالي هذا الناخب رئيسا للجمهورية الفرنسية لخمس سنوات قادمة.

لقد عشنا هذا المشهد عام 2017، واختار الناخب الفرنسي في الجولة الثانية (إيمانول ماكرون) رئيسا لفرنسا، وفضله على (ماري لوبان)، ولكن لم تغادر هذه الأخيرة الساحة السياسية طوال السنوات الخمس الماضية، ومر حزبها بتطورات وتغيرات عديدة، ولكنها بقيت صامدة ومثابرة على خوض الانتخابات مرة تلو الأخرى، وها هي اليوم، ولمرة جديدة، المنافسة الوحيدة لرئيس الجمهورية للجولة الثانية والأخيرة للرئاسة الفرنسية والتي ستجري بعد أسبوعين.

Ad

ولكن لماذا تكرر المشهد نفسه بعد خمس سنوات؟ لا نستطيع القول إن الساحة الانتخابية الفرنسية تفتقر لمرشحين، فقد قبل المجلس الدستوري الفرنسي ترشح 12 مواطنا فرنسيا لخوص الانتخابات الرئاسية، وهو عدد كبير نسبيا بالقياس لدورات انتخابية في بلدان أوروبية أخرى، والجدير بالذكر أن على كل مرشح أن يحصل على ترشيح 500 نائب برلماني أو عمدة أو عضو مجلس بلدي في فرنسا ليقبل هذا المجلس الدستوري ترشيحه، ويُسمح له بالتالي بدخول ساحة المنافسة على الانتخابات الرئاسية، ولعلنا نذكّر بأن النظام السياسي الفرنسي هو نظام رئاسي، بمعنى أن رئيس الجمهورية هو الحاكم الفعلي في وقت تُحترم فيه أيضا السلطات الأخرى: التشريعية والقضائية ولا يتم التدخل في عملها، بالإضافة إلى ممارسة مختلف مؤسسات الدولة لمهامها حسب ما يحدده الدستور الفرنسي، ومن بينها المجلس الدستوري الذي يضبط إيقاع الانتخابات، ولكن يبقى النظام السياسي البرلماني وهو المطبق على سبيل المثال في الجارة ألمانيا الفدرالية، أكثر ديموقراطية برأينا لأنه يعتمد على الانتخابات البرلمانية التي تعكس بشكل أفضل الجوانب الديموقراطية والتمثيلة في البلدان التي تعتمد النظام البرلماني.

وتراوحت اتجاهات المرشحين للرئاسة الفرنسية لهذا العام بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولا نبالغ إذا قلنا بأنهم مثلوا كل الاتجاهات الفكرية، والتيارات السياسية، وعرضوا مختلف المشاريع والإصلاحات والبرامج في كل المجالات، ولا شك أن مصالح كل من يقيم على الأراضي الفرنسية ومستقبلهم، كان هاجس هؤلاء المرشحين، ويبقى السؤال المطروح دائما: إلى أي مدى ستتحقق الوعود الانتخابية؟ وما الذي سينجز منها في مهلة خمس سنوات؟

وشهدت الحملة الانتخابية الفرنسية هذه المرة مستجدات لم تعرفها الحملات الانتخابية السابقة، وأولها ظهور اليميني المتطرف (إيرك زومر)، والذي فاجأ حضوره على الساحة السياسية الجميع، ولم يكن متوقعا أن من بين المرشحين للرئاسة الفرنسية هذا العام ظهور هذا الصحافي والمعلق السياسي صاحب الخطاب العدواني تجاه الأجانب في فرنسا، والمتطرف في أقواله حول وجود الإسلام والمسلمين ليس في فرنسا فحسب بل في أوروبا أيضا، والذي طرح أفكارا وتصورات تتناقض مع العديد من المرشحين للرئاسة الفرنسية، مع العلم أن موضوع الهجرة وأوضاع المهاجرين كان حاضرا في أغلب الخطابات الانتخابية للمرشحين ودار حوله لغط كبير، ويجب أن نوضح أيضا بأن عدداً من وسائل الإعلام الفرنسية ساهمت بظهور المرشح زومر، وإفساح المجال له ولعرض أفكاره وآرائه، ومهدت بشكل أو بآخر الأرضية التي سمحت له بأن يحصل على التواقيع الضرورية لقبوله مرشحا في الانتخابات الرئاسية. وهذا يحيلنا إلى أهمية وسائل الإعلام في الدول الغربية ودورها، وكيف يمكن أن توجه الرأي العام بشكل أو بآخر.

والظاهرة الأخرى التي عرفتها الحملة الانتخابية الفرنسية هو عدم احترام رئيس الجمهورية لكل الأصول الديموقراطية المتعارف عليها في الحملات الانتخابية، فكان أن رفض المشاركة في جلسات نقاش مباشرة مع بقية المرشحين، ولم يشارك في برامج حوارية مباشرة مع الصحافيين، وكان المبرر في معظم الأحيان هو الأوضاع الحساسة التي تعيشها أوروبا بسبب الحرب في أوكرانيا، وضرورة تفرغ رئيس الجمهورية والذي يرأس أيضا الاتحاد الأوروبي ومنذ بداية العام، للوقوف على آخر الأوضاع ومتابعة التواصل مع طرفي الحرب، وتعزيز دور فرنسا في مختلف المنظمات والمحافل الدولية، ولا شك أن هذه الحرب خدمت برأينا، بشكل أو بآخر، المرشح ماكرون ووفرت عليه كثيرا من الوقت والجهد والسعي لكسب أصوات الناخبين وهو ما اجتهد فيه أكثر بقية المرشحين.

ولا بد أن نذكر أيضا بالطريقة التي حظي بها عدد من المرشحين بترشيح أحزابهم، وتم ذلك من خلال إجراء انتخابات أولية في مختلف دوائر الحزب، حيث اختار الأعضاء مرشحا من بين عدة أسماء طُرحت، وهو أسلوب متبع في الانتخابات الحزبية في الولايات المتحدة، وهي ظاهرة تدل على الشفافية والديموقراطية، ولكن لم تعتمد كل الأحزاب الفرنسية هذه الطريقة، واعتمدها حزب (الجمهوريون) اليميني واختار سيدة كمرشحة عنه، واعتمدها كذلك حزب (الخضر).

كما يجب على المرشحين أن يبينوا مقدار ممتلكاتهم الشخصية قبل أن يصلوا إلى سدة الرئاسة الفرنسية، وتبين للجميع، وتبعا لما نشرته وسائل الإعلام، أن ثروة مرشحة اليمين الفرنسي هي الأعلى بمبلغ: 9.700 ملايين يورو، وفي المرتبة الأخيرة وأقل ثروة المرشح العمالي العاطل عن العمل وتبلغ ثروته 122 ألف يورو، أما الرئيس ماكرون فيأتي بالدرجة الثامنة وتبلغ ثروته 550 ألف يورو.

وبرزت ظاهرة مقلقة أيضا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لهذا العام، وهي ظاهرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، فقد بلغت نسبة عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الجولة الأولى 26% تقريبا من أصل 49 مليون مواطن يحق لهم المشاركة بالانتخابات، وهي نسبة مرتفعة بالقياس لنسبة عدم المشاركة بالدورة الأولى عام 2017 والتي كانت 22.23%! ويدور النقاش في كل جولة تسبق الانتخابات، وتطرح الأسئلة عن جدوى إلزامية المشاركة بالانتخابات، وهذه الإلزامية مطبقة في بلجيكا جارة فرنسا، فهل تفرض هذه الإلزامية على الناخب الفرنسي كما هي مفروضة على الناخب البلجيكي؟

يمكن أن نسجل الكثير من الملاحظات، ونوجه العديد من الانتقادات لأشكال الأنظمة الانتخابية في البلدان الغربية، ولكن التوجه بعيدا عن أي ضغوط أو إملاءات لصناديق الاقتراع، واختيار مرشح للرئاسة أو للبرلمان بكل حرية، وانتظار بترقب النتائج من دون معرفتها سابقا، كل هذا يعكس وجها حضاريا وديموقراطيا للبلدان التي تطبقه، كما تُشعر من يمارس حق الانتخاب بأنه شخص حر، صاحب إرادة ورأي، وله دوره مهما كان بسيطا في بلده يوم يقوم بممارسه هذا الحق بإرادته أو يختار ألا يمارسه، والحق في الانتخاب من الحقوق السياسية التي نصت عليها مختلف الوثائق الدولية والإقليمية لحماية حقوق الإنسان، وسيقول الناخب وهو يمارس هذا الحق، بينه وبين نفسه: أنا اليوم الحكم ولست الخصم.

* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا.