بحضور عربي وفرنسي، احتفى مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، الخميس الماضي، بصدور أولى مبادرات برنامج "جسور الشعر"، المتمثلة في أربعة دواوين شعرية وأنطولوجيا الشعر السعودي، وجميعها باللغتين العربية والفرنسية، من خلال دار "أل دانتي– لا بريس دي رويال" الفرنسية، التي أشرفت على أكثر من ثلاثين سلسلة نثرية، ويُشرف عليها الناقد لوران كووي.

انطلقت الأمسية بتقديم من المشرف على برنامج القراءة الأمين العام لمكتبة إثراء طارق الخواجي، الذي تحدث عن برنامج جسور، فقال: "هذا البرنامج أطلقه رئيس شركة أرامكو السعودية المهندس أمين الناصر، في ختام برنامج القراءة الوطني الذي تطلقه (إثراء) كل عامين، وكان هذا في أواخر عام 2019، حيث أعلن رئيس الشركة برنامج إثراء، الذي يهدف إلى دعم المحتوى العربي بشكل أساسي".

Ad

وأضاف الخواجي: "انطلقت المبادرة كمسابقة نحاول من خلالها تقديم الأعمال الإبداعية، ودعم الأفراد والمؤسسات، وكان عدد البرامج والمشاريع التي فازت بدعم هذه المبادرة 14 مشروعاً احتوت على ما يقارب 142 عملا إبداعيا، واليوم نحتفي بمجموعة مميزة جداً من هذه الأعمال".

وتابع: "ما يميز مبادرة (جسور الشعر)، التي نحتفي بها، أنها تنفذ الرؤية والرسالة التي يدعمها البرنامج في التواصل الحضاري، وتمثل ذلك بوضوح في هذه المبادرة المميزة جداً، ففي جسور تم العمل على ترجمة أنطولوجيا 43 شاعراً من شعراء المملكة، وقام بعمل هذه الدراسة الناقد عبدالله السفر، وتمت ترجمة أربعة دواوين شعرية لشعراء سيتم الاحتفال بهم اليوم".

الوصول إلى العالم

بعد ذلك، رحبت الشاعرة والإعلامية التونسية آمنة الوزير بالضيوف، وطلبت من الشاعر والكاتب أحمد الملا أن يقدم نبذة عن المشروع، حيث قال إن النسخة الفرنسية هي بداية "الجسور"، وإن هناك ترجمات أخرى للشعر السعودي سيتم العمل عليها، وستكون بأسماء ولغات مختلفة، بهدف توسيع خريطة الشعر السعودي المعاصر إلى العالم، وإبراز الأصوات الشعرية السعودية المعاصرة.

وأضاف الملا أن مشروع "جسور الشعر" حظي بدعم كبير ومساعدة من عدد من الجهات في الداخل والخارج، حيث إن هذا المشروع اختص بشكل دقيق بالتأكيد على أن الصوت الشعري يستطيع أن يصل للآخر بطريقة نشر احترافية، فإلى جانب الترجمة الجيدة كضرورة رئيسية، تحققت من خلال الشاعر التونسي معز الماجد، تم اختيار الناشر كقناة توصيل الكتب لقارئه الفرنسي، إضافة إلى برمجة خطة توزيع وبرنامج مساند من الفعاليات.

وأوضح: "لم يكن الهدف طباعة الكتب في داخل الأسواق السعودية، أو إيصاله للقنوات العربية فقط، إذ إن هدف المشروع هو الوصول بالكتب لقارئ اللغة الأخرى".

نص ينتظر المترجم

بدوره، قال الشاعر والمترجم معز الماجد إنه اكتشف أسماء متميزة جداً في الشعر السعودي، وإنه يتفهم توجس النقاد من ترجمة الشعر وموقفهم من خطورة الإقبال على ذلك، لكن قناعته بأن كل نص قابل للترجمة، وفي نفس الوقت فإن كل نص ينتظر المترجم.

وأكد أن هناك "نصوصا غير قابلة للترجمة"، والحديث عن خطورة ترجمة الشعر، كما يرى النقاد، أمر صحيح نوعاً ما، لأن الشعر فعل لغوي في الأساس، وهو وليد اللغة، وينبت ويثمر فيها، ويستدعي الأفكار والأحاسيس والذكريات، وفي بعض الأحيان يستدعي الانكسارات الشخصية، ومن هنا تكمن خطورة ترجمة الشعر إلى لغة أخرى".

وتساءل: "كيف يمكن نقل وترجمة ما أثمر في لغة بعينها؟ ولتكن اللغة العربية مثلاً إلى لغة أخرى دون أن يشوهها، فهنا تكمن خطورة ترجمة الشعر، فمعاني ومدلولات الكلمات تختلف من لغة إلى أخرى، لكن بشكل عام فإن أفضل قارئ لأي نص هو بالفعل المترجم، فهو من يسعى لفهم النص وفهم تركيباته اللغوية المختلفة، وبصورة عامة المترجم يكون لديه هوس بفهم المعنى قبل ترجمته".

اكتشاف الشعر السعودي

من ناحيته، قال الناقد الفرنسي لوران كووي والمشرف على السلسلة الشعرية في دار "ليبريس دي لوريال"، إن لديه مشروعا ضخما لتقديم أنطولوجيات الشعر العالمي، وقدم حتى الآن أنطولوجيا الشعر الإيطالي والبرازيلي.

وبيَّن أن "دار النشر تم تأسيسها عام 1992م، وهي تعنى خصوصاً بالحركات الأدبية والفنية التقدمية منذ نشأتها تاريخياً حتى يومنا هذا، كما تنشر الدار نصوصاً نقدية ونظرية، وتضم في شبكتها ما يقارب أربعين دار نشر فرنسية رائدة على مستوى الثقافة والأدب والشعر بشكل خاص"، لافتا إلى أنه عندما شارك في نشر أنطولوجيا الشعر السعودي فوجئ بأنها ستكون أول أنطولوجيا للشعر السعودي تُنشر باللغة الفرنسية، وعندما صدرت الأنطولوجيا بالفرنسية فوجئ بأنها تضم قصائد تتحرك، ونابعة من تلك الأرض الطيبة، وهي قصائد مليئة بالحياة.

قصائد شعرية

مقدمة الحفل آمنة الوزير كانت تنتقل ما بين المتحاورين برشاقة، وتطلب منهم إلقاء القصائد بين الحين والآخر، كي تكسر رتابة الحوار، حيث قرأ الشاعر صالح زمانان بعض قصائده، تلاه الشاعر غسان الخنيزي، ومحمد الحرز، وقرأ النصوص الفرنسية الشاعر معز ماجد، فيما قام نديم أحمد الملا بمرافقة والده في قراءة النصوص الفرنسية.

يُذكر أن قافلة "جسور الشعر"، المكونة من الشعراء والمترجم والناشر، أقامت احتفالا بيوم الشعر العالمي في 21 مارس بالبحرين، بدعوة من المركز الثقافي الفرنسي، في أمسية حضرها العديد من المهتمين في البحرين.

وحول هذه الفعاليات جميعها، قال الناقد عبدالله السفر: "في الأمسيات الثلاث التي شاركت فيها، سواء في أسبوع الفرانكفونية (معهد اللغة الفرنسية بمدينة عيسى في البحرين: 20 مارس) أو يوم الشعر العالمي (السفارة الفرنسية في البحرين: 21 مارس) أو في احتفالية إطلاق مشروع جسور الشعر (مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء": 24 مارس)، كان الحوار مع مديري الجلسات حول المختارات الشعرية السعودية (رمال تركض بالوقت)، التي ترجمها معز ماجد إلى الفرنسية. وتضم هذه المختارات ما يزيد على 80 نصاً لـ 43 شاعرة وشاعراً سعوديين يكتبون نصوصهم ضمن أفق القصيدة الجديدة، وغالبية نتاج هؤلاء الشعراء في هذه المختارات ينتمي إلى العشرية الثانية (2010 وما بعدها)، وتقع النصوص في فضاء الحرية التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي من (فيسبوك) و(تويتر)".

وأشار إلى أن تلك الحرية ذهبت بالرقيب في شتى صوره، سواء أكان رقيباً خارجياً أو رقيباً داخلياً تخلّق - داخل الكاتب - مع حضور الرقيب الخارجي، الأمر الذي شجَّع على الاندفاق الكتابي، وإشاعة روح الكتابة الاختبارية، وطرْق باب التجريب دون قيد المساحة التي يتطلبها النشر الورقي ولا "الحسابات التقليدية" المعرفة في عالم النشر "المحافظ".

وذكر أن "تجربة مختارات (رمال تركض بالوقت) المزدوجة باللسان العربي والفرنسي، تجربة مبهجة - على مشقتها - أتاحت لي العودة المتمهلة إلى كامل المشهد الشعري للقصيدة الجديدة في السعودية منذ منتصف التسعينيات حتى عام 2019، والوقوف على تموجات وتحولات هذه القصيدة في بنيته التي تعددت، وفي أفق الكتابة والمسارات التي انفتحت للذات الإبداعية، لتقرأ تجربتها الخاصة وترصدها في غناها اليومي العاج بالتفاصيل، أو في اشتباك هذه التجربة مع الأسئلة الوجودية والقلق الكياني الذي تبدّى في أكثر من عمل شعري".