ما رؤية المثقفين العرب للغزو الروسي لأوكرانيا؟ هذا سؤال مطروح عبر الفضاء الثقافي العربي الممتد من المحيط إلى الخليج.

في البداية، لا توجد رؤية ثقافية واحدة لدى المثقف العربي، عضوياً أو نخبوياً أو شعبويا، فالراصد للفضاء الثقافي العربي يجد رؤى ثقافية متعددة تختلف باختلاف المشارب السياسية والأيديولوجية للمثقفين العرب، هذا من ناحية، كما أن هذا الاختلاف محكوم بتوجهات السلطة السياسية التي يعيش المثقف في كنفها تجاه هذا الغزو.

Ad

عودة الصراع الأممي في أوكرانيا كشفت مواقف للمثقفين شبيهة بمواقفهم من أحداث ستمبر2001 تصنف كالآتي:

أولا: الناقمون على أميركا وحلفائها الغربيين:

وجدوها مناسبة لإنعاش الذاكرة العربية بما سموه جرائم أميركا، ونشطوا في نشر قوائم للفظائع الأميركية في المنطقة بدءاً بدعمها المطلق للجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، مروراً بغزوها للعراق وتفكيكها الجيش العراقي، وصولاً إلى حروبها في أفغانستان، ومن هذا المنطلق نتفهم البيان الذي أصدره عدد من مثقفي مصر يدين سياسات الحصار والعقوبات الغربية ضد روسيا، ويقول إنها تعيد إلى أذهان العالم أجواء وصراعات ما قبل الحرب الثانية، وتهدم كل أسس الاتفاقيات والمنظمات وسياسات وقيم الحريات الاقتصادية التي اتفق العالم عليها عام 1944، وأضاف آخرون مستنكرين حملة أميركا لحشد الرفض للتدخل الروسي في أوكرانيا كما لو كانت أغلب دول الغرب وعلى رأسها أميركا لم تمارس عنفاً أشد ومعاملة أسوأ خلال جميع مراحل الاستعمار الرجل الأبيض لثروات وشعوب العالم، وبدلاً من أن يدين البيان الغزو الروسي يستطرد ليتهم النظام الرأسمالي بإشعال نيران الحروب مخرجاً لأزماته الدورية.

ثانيا: جماعة التبرير (ولكن):

وهم قطاع كبير من المثقفين الذين، وإن أعلنوا رفضهم الحرب أسلوبا لحل الخلافات الدولية، إلا أنهم تبنوا مبررات ومخاوف روسيا الأمنية من تمدد الناتو على حدودها، وانتقدوا أوكرانيا والغرب رفضهم الاعتراف بمشروعية مخاوف روسيا الأمنية.

ثالثاً: الأيديولوجيون العقائديون:

هم الذين انتهزوا فرصة الحرب لكشف ما سموه الوجه العنصري القبيح للغرب الذي استقبل لاجئي أوكرانيا ذوي الأعين الزرقاء بترحاب يختلف عن استقبالهم لاجئي الشرق الأوسط، وكل ما همهم في هذه المأساة تصيد ما سموه "تعرية الغرب الاستعماري" الذي برع في "ثقافة الكذب" وخان الديموقراطية التي تباهى بها وحمل لواء نشرها في بلدان الجنوب والشرق.

رابعاً: المستبشرون بولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب:

وجدوا في هذا الصراع ما يبشر بانهيار النظام العالمي الأحادي، فأيدوا الغزو الروسي بوصفه معركة تاريخية، تنهي سياسات الهيمنة الأميركية ليصبح العالم أكثر تعددية وأقل عسكرة.

خامساً: المحايدون، جماعة (لا ناقة لنا ولا جمل):

رأوا في الغزو حرباً بين معسكر يريد الانفراد بالعالم ومعسكر يريد أن يستعيد مكانه كقوة عظمى، وعلى دولنا الالتزام بالحياد، وإقامة علاقات متوازنة مع المعسكرين.

سادساً: الإيجابيون: وهم جمهرة المثقفين العرب خصوصا الخليجيين الذين تعاطفوا مع مأساة الشعب الأوكراني واستنكروا الغزو الروسي ومبرراته وقالوا: لا للحروب ومبرراتها.

نقد وتقييم:

كشفت الأزمة الأوكرانية عمق تجذر الأيديولوجي في عقلية قطاع من المثقفين العرب الذين أيدوا الغزو أو برروه، هؤلاء لا يزالون أسرى الميراث الاستعماري القديم، لا يستطيعون التحرر من قبضته، يتحدثون عن دول الغرب التي تكيل بمكيالين مع الآخرين وتناسوا أن دولنا تكيل بعشرات المكاييل مع مواطنيها، أي منطق أعوج يبرر لروسيا ابتلاعها جارتها بحجة أن أميركا والغرب فعلوا بنا الأفاعيل؟! وما ذنب الشعب الأوكراني إذا أجرم الغرب وأميركا في حقنا؟!

أما القياس على غزو أميركا للعراق وأفغانستان، فقياس فاسد، كان في العراق حاكم طاغية أذاق شعبه مر العذاب، كان يستصرخ العالم لتخليصه، كما لم يأمن جيرانه بوائقه فكان لابد من إسقاطه، أما أفغانستان فقد اتخذتها القاعدة ملاذاً آمناً فكان ضروريا تخليص العالم من شرورها، وعليك كمثقف حقيقي أن تستنكر العدوان أبداً عندك أو عند غيرك، ولا تدافع عنه مهما كانت المبررات، عليك أن تستنكر الظلم الروسي كما تستنكر الظلم الأميركي والغربي، ولن تكون مثقفا سوياً إذا كلت بمكيالين ولا تستحق صفة (مثقف) إذا بررت الظلم والعدوان.

* كاتب قطري

● د. عبدالحميد الأنصاري