يعرف البروفسور لاري دايموند، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد، الديموقراطية بأنها: "نظام حكم يقوم على مبادئ رئيسة: نظام سياسي لاختيار الحكومة ولانتقال السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة، ومشاركة فعالة من المواطنين في الحياة السياسية والمدنية، وضمان وحماية حقوق الإنسان لجميع المواطنين دون استثناء، وحكم القانون المطبق على الجميع دون تمييز"، أما الكلمات الافتتاحية لميثاق الأمم المتحدة فتضمنت: "نحن الشعوب، التي تعكس المبدأ الأساسي للديموقراطية، وهي أن إرادة الشعوب هي مصدر شرعية الدول ذات السيادة، وبالتالي، الأمم المتحدة ككل".

ولكن الديموقراطية بحاجة لشروط كثيرة ومبادئ أساسية، وعوامل أخرى مساندة تواكب الاحتياجات المتباينة في مراحل التطور المجتمعي المتلاحقة، والتحول مع الزمن من مجرد فكرة فلسفية إلى حالة ذهنية مجتمعية، وقناعة فردية وجماعية مترسخة في فكر ووعي الشعوب الديموقراطية، لتتمكن من تحقيق النجاح والقيام بأداء المهام المجتمعية الموكلة إليها بكفاءة، وتقوم تلك القناعة على المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع الواحد، واحترام الرأي الآخر، وحل الخلافات مع الآخرين بالطرق السلمية إلى جانب المبادئ الأساسية للديموقراطية المرتبطة بالتعددية والتسامح، والعدل والمساواة، ومشاركة المواطنين بكافة شرائحهم في انتخابات حرة ونزيهة، وحقوق الإنسان، والشفافية والمحاسبة، وحكم القانون، وحكم الأغلبية وحقوق الأقليات، والحوكمة والإدارة الرشيدة.

Ad

ولكن لماذا لا تزال الفكرة غريبة عند بعض شعوب العالم، كما أن وجودها في مجتمعات معينة لم يكن كافياً ليتمتع الشعب بالمزايا الديموقراطية والحصول على حقوقه التي يصونها القانون ويقوم النظام الديموقراطي على أساسها؟

يبين لنا الدكتور محمد ربيع، الأكاديمي الأميركي في مقالته عن "شروط نجاح العملية الديموقراطية"، أن السبب في ذلك يعود لعدة عوامل، أهمها غياب الإنسان الديموقراطي، أي الفرد الذي يفهم الديموقراطية، ويعي دورها المجتمعي، ويعمل مع غيره من الأفراد والجماعات على توفير الأجواء المناسبة لها والشروط الكفيلة بنجاحها.

ويتفق غالبية الفلاسفة السياسيين على أن الديموقراطية كنظام حكم سياسي بحاجة لتوافر الشروط الرئيسة التالية:

1- تعددية سياسية: أي وجود أكثر من اتجاه أو تنظيم سياسي في المجتمع.

2- طبقة متوسطة واسعة: لديها وعي كاف بحقوقها ودورها في بناء المجتمع.

3- إعلام حر ومحايد: يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية والنزاهة.

4- سيادة ثقافة التسامح: القائمة على القبول بمبدأ اختلاف الأفكار وتباين المصالح بين أفراد المجتمع الواحد، والاعتراف بحقوق الآخرين في التعبير عن أفكارهم والسعي لحماية مصالحهم.

هذه العوامل تعتبر كافية لإقامة الهياكل التنظيمية واستكمال متطلبات الحياة الديموقراطية، لكننا في الكويت بحاجة لنشر روح الديموقراطية في المجتمع وحمل أفراده على ممارسة الحياة الديموقراطية بشكل يحقق التنمية والرفاهية المنشودة، حتى نتمكن من تجاوز مرحلة الانتقال الديموقراطي المعنية بالعمليات والتفاعلات السلمية المرتبطة بالتحول من صيغة النظام غير الديموقراطي إلى النظام الديموقراطي المدني، وهي مرحلة وسيطة يتم خلالها تبني النظام الديموقراطي الجديد واعتماد عناصره السياسية، كالبنية الدستورية والقانونية، والمؤسسات والعمليات السياسية، وأنماط مشاركة المواطنين في إدارة ورقابة مؤسسات البلد.

ولكن بعد 60 عاماً من إقرار الدستور الكويتي، هل ما زلنا في مرحلة الانتقال الديموقراطي؟ وإلى أين نتجه بديموقراطيتنا الناشئة؟ وهل تم وضع ديموقراطيتنا في نطاق التطبيق والممارسة؟ وهل تخلصنا من التراكمات القبلية والطائفية والعائلية والنخبوية، واعتمدنا الدولة المدنية الديموقراطية المبنية على قيم المساواة، والحرية، والتعددية، والتسامح، وحقوق الإنسان، والعدالة وحكم القانون، والمحاسبة والشفافية وغيرها من القيم الدستورية في دولة الديموقراطية المؤسسية؟ وكيف سنحافظ على ديموقراطيتنا الناشئة؟ وما دور الإعلام والمجتمع المدني والتجمعات السياسية في التحول الديموقراطي والمحافظة على مكتسباتها؟ وهل النظام الديموقراطي هو النموذج الأكثر نجاحاً لنا؟ وهل قامت الحكومات المتعاقبة بتهيئة المجتمع للتخلص من كل مظاهر التعصب الديني والقبلي والعائلي والحزبي والمصالحي بهدف تعزيز وترسيخ الممارسات الديموقراطية لدى كل فرد في المجتمع؟ وهل طبقنا مبادئ الديموقراطية في حياتنا العامة، ونشرنا ثقافتها في مناهجنا ومدارسنا وبيوتنا؟ تساؤلات متعددة تساعدنا في تقييم تجربتنا الديموقراطية التي بدأت منذ تأسيس أول مجلس شورى في الكويت قبل أكثر من 100 عام، وتوالت بعده المجالس التشريعية التي يفترض أن تسهم في ارتقاء نظامنا الديموقراطي! لكن ممارساتنا غير الداعمة للديموقراطية، وغير المرسخة لدور الدولة، أدت إلى غياب الدور الرقابي والمحاسبي للقيادي والنائب والناخب، مما أطال أمد المشاكل المزمنة بسبب تراجع أداء قطاعات الدولة، الذي انعكس سلباً على سمعة الكويت في المنظمات العالمية والمؤشرات الدولية. إننا ما زلنا في مرحلة الانتقال الديموقراطي البعيدة كل البعد عن مرحلة النضوج الديموقراطي المتكامل والمتزامن مع تنمية البلد، ولن نخرج من هذا "العافور" إذا لم نوقف ممارساتنا غير الديموقراطية، ونصحح مسارها وننشر روحها بين أفراد المجتمع، ونعتمد مبادئها الأساسية على أرض الواقع وفي كل ممارساتنا السياسية والحكومية والتشريعية والرقابية والانتخابية والاقتصادية والاجتماعية.

● د. عبدالعزيز إبراهيم التركي