عظماء دول العالم يكرمون رسمياً في حياتهم، ليكونوا عبرة للأجيال القادمة ومُثلاً تحتذى من المواطنين، وغالباً ما تتزايد موجات التكريم بعد رحيلهم، وبعد أن انتهى مشوارهم الوطني، والدول الراقية تعرف الديموقراطية والحرية حق قدرها، فتقوم بتكريم أبطالها وعظمائها بشتى الوسائل، بوضع صورهم على الطوابع البريدية وعلى العملات النقدية الورقية والمعدنية، ووضع تماثيل لهم في الساحات والميادين الرئيسة، وإطلاق أسمائهم على شوارع وميادين وساحات رئيسة، وإضافة سيرهم الذاتية وإنجازاتهم الوطنية الخالدة ضمن المناهج الدراسية.

وأغلب الأبطال والعظماء الذين خلدتهم كتب التاريخ، وصاروا في مرتبة الأساطير لتتناقلها الأجيال، كتبوا الحروف الأولى من دساتير بلدانهم ليرسخوا قواعد حرية التعبير والمساواة في الإنسانية والإخاء في المواطنة، وغيرها من مبادئ سامية ترتقي بالإنسان أينما حل، وهناك في العصر الحديث دول كثيرة ضربت لنا أروع الأمثلة في تكريم أبطالها الذين ساهموا في الحفاظ على سيادة أوطانهم ودافعوا عن ترابها وضحوا بالغالي والنفيس لتعلو راية الوطن، وحققوا إنجازات عظيمة استفادت منها بلدانهم والعالم أيضاً.

Ad

ومن هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر، مؤسسو الولايات المتحدة الأميركية مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وإبراهام لينكولن وغيرهم من الذين ساهموا في ترسيخ قوة دولتهم منذ قرون حتى أصبحت القوة العظمى على الأرض، فمنهم من كتب الحروف الأولى للدستور الأميركي، ومنهم من حقق المساواة بين مواطنيه بعد أن حرر العبيد، ومنهم من قاتل الاستعمار الإنكليزي، فخلدهم التاريخ، ورسخوا في الذاكرة، فتجد أسماءهم وصورهم على الطوابع البريدية والعملات الورقية والمعدنية، وصُنعت لهم تماثيل في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، فلا تخلو مدينة أميركية من أسماء هؤلاء، لتراها على الطرق والمدارس ومباني مؤسسات الدولة، ولا نستثني دولاً عربية خلدت أبطالها بهذه الطريقة مثل مصر والعراق وسورية وتونس وغيرها من الدول العربية التي كرمت أبناءها بما يتوافق وإنجازاتهم، فمنهم سياسيون ومنهم رياضيون ومنهم شعراء وغيرهم.

الآباء الذين خطت أياديهم الكريمة الحروف الأولى من دستور دولة الكويت رحلوا جميعهم، كان آخرهم حكيم الدستور، الدكتور أحمد الخطيب، وتركوا لنا إرثاً قومياً نفاخر به الأمم، حتى إن كان هناك من يقول إنها حبر على ورق، أو إن مواده لا تطبق بحذافيرها، ولكنه موجود، فالقوانين تشرع بناء على هذا الدستور، ومجلس الأمة يستوحي ديمومته من هذا المجلد الصغير الذي يحوي بين دفتيه مواد من الأحجار الكريمة النادرة، التي قلما يجود الزمان الخليجي بمثله.

لكن هل كرمت الدولة رجالها الذين كتبوا هذا الدستور وأنجزوا ما لم ينجزه غيرهم في المنطقة؟ وهل أطلقت أسماءهم جميعاً– وليس واحداً أو اثنين منهم فقط– على شوارع الكويت؟ وهل أصدرت طوابع بريدية تذكارية لتخلد مساهماتهم الوطنية؟ وهل نفاجأ بخروج مسؤولين من قمقم التدين الزائف وهم يقذفون بعباءة رهبة التيارات الدينية، ليصنعوا تماثيل لكل عضو من أعضاء المجلس التأسيسي، يقودهم تمثال أمير الكويت الراحل سمو الشيخ عبدالله السالم، الذي صنعه الفنان العالمي سامي محمد قبل أكثر من 45 سنة بعد أن ظل حبيس باحة جريدة «الرأي العام» طيلة تلك العقود، ليحتلوا مكاناً بارزاً من ساحة الصفاة أو ساحة العلم أو ساحة الإرادة؟

إنها مجرد أمنيات، بعد أن صارت إنجازاتهم حكايات تروى.

يوسف عبدالكريم الزنكوي