تشير التقارير الميدانية إلى أن الروس قد حسموا أمر أوكرانيا ميدانياً، وأن الغرب تخلى عن دعمها عسكريا بحيث لم يعد أمام الأوكرانيين سوى الاستسلام أو المقاومة الشعبية، وهي أحد الخيارات التي تسعى إليه أميركا وحلفاؤها في «الناتو» لاستنزاف روسيا من خلالها، كما فعلوا معها عند اجتياحها أفغانستان مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات العرقية والمذهبية التي جعلت من تحرير أفغانستان حرباً مقدسة جذبت إليها مئات الآلاف من المجاهدين المسلمين والعرب.

التسليم بفكرة الجهاد والقتال من أجل تحرير الأراضي الأوكرانية قد تكون مستبعدة إذا ما نظرنا إلى تقارب المكونات العرقية والدينية والثقافية التي تجمع الشعبين الروسي والأوكراني، ومع ذلك استطاعت الماكينة الإعلامية الغربية تمرير مشروعية التطوع للقتال بين صفوف المسيحيين واليهود إلى جانب الأوكرانيين، كما أنها نجحت في استثارة المتشددين المسلمين تحت عنوان الثأر من روسيا على دعمها للرئيس بشار الأسد وتنكيلها بالفصائل الجهادية.

Ad

وعلى الرغم من رفضنا القاطع لمشاريع الغزو وتحت أي مبرر فإننا نشدد على رفض مثل هذه الدعوات المتكررة بين الشباب المسلمين واستدراجهم لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل من بعض مشايخ الدين الذين اعتادوا على نشر أفكارهم الهدامة في مثل هذه الظروف.

تداعيات الحرب الأوكرانية ستأخذ منحى اقتصادياً قد يقود إلى انهيار منظومة النقد الدولي، وإلى حرب نفطية مفتوحة، خصوصاً بعد مطالبة الرئيس الأميركي تخفيض أسعار النفط، مما يعني إجبار دول «الأوبك» على رفع الإنتاج الذي ترفضه روسيا كونها تريد ورقة الغاز والنفط بيدها للمساومة على المواقف الدولية.

الحرب الاقتصادية دخلت بالفعل حيز التنفيذ والخسائر بمئات المليارات بعد توالي القرارات الأميركية ودخول أوروبا واليابان والكثير من الدول الصناعية على الخط مما يجعل الدول المعتمدة على إنتاج النفط في وضع لا تحسد عليه، فمن جانب حجم الضغوط الأميركية والأوروبية، ومن جانب آخر لا أحد يستطيع تصور رد الفعل الروسي ولا مداه ولا التنبؤ به.

الروس بشكل عام لديهم خبرة كبيرة في التعامل مع العقوبات الاقتصادية، فخلال السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي استطاعت التغلغل في الكثير من المؤسسات والشركات العالمية، ناهيك عن سيطرتهم على تجارة غسل الأموال وقدرتهم على تنظيمها بشكل مخيف.

ما يملكه الروس أيضا في مجال التجسس الإلكتروني أمر لا يمكن تجاوزه، وقد يفشون ما لديهم من معلومات قد تتسبب بأزمات أخلاقية إذا ما كانت نتائج العقوبات التي يقودها الغرب قاسية على الداخل الروسي.

اليوم خطر نشوب حرب عالمية ثالثة خيار قد يكون بعيداً، ومع هذا لا يعني استبعادها نهائيا، لكن في المقابل هناك تداعيات ومخاطر كبيرة مرتبطة بالطاقة والمواد الغذائية الأساسية وبالتجارة تحتاج إلى فهم أبعادها، ومن ثم وضع الآليات والخطط المناسبة لمواجهتها والتعاطي معها.

لقد عانى العالم تداعيات أزمة كورونا بسبب الإغلاقات، واليوم قد تقود الأزمة الأوكرانية إلى المزيد من الأزمات الاقتصادية وإلى تضخم غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية.

ودمتم سالمين.

أ. د. فيصل الشريفي