الحروب في العادة اقتصادية بالدرجة الأولى، ونتائجها غالباً ما تعود سلباً على الاقتصادات، وما يحدث اليوم في حرب روسيا وأوكرانيا بدأت آثاره الاقتصادية جلية منذ الأيام الأولى للحرب، وهذه الآثار مست اقتصادات المنطقة العربية، ولاسيما الكويت التي تعتبر من أكبر الدول النفطية في المنطقة، إلا أن المنطقة العربية ذات اقتصادات مختلفة، لذلك فلن تكون التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية على نفس مستوى التأثير بالنسبة لدول المنطقة.

التأثير الأول هو ارتفاع أسعار النفط متجاوزاً 119 دولاراً للبرميل، في أعلى مستوياته منذ عام 2011، ويثير هذا الارتفاع المخاوف من ارتفاع أسعار الإمدادات في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى العقوبات التي ستقيد الإمدادات، وارتفاع أسعار السلع كنتيجة لارتفاع أسعار النفط، وثاني تأثير يتمثل في تراجع الأسهم العالمية وارتفاع أسعار الذهب، إلا أن هذا التأثير عاد بالإيجاب على بورصات الكويت والخليج، إذ ارتفعت منذ افتتاحها في جلسات الأسبوع الماضي.

Ad

الكثير من التساؤلات نتج عن الأزمة الحالية، وبالتحديد فيما يتعلق بارتفاع أسعار النفط وتأثيره على الكويت القريب والبعيد. إن تجاوز سعر البرميل السعر المحدد في الميزانية يعطي شعوراً بالطمأنينة على اقتصاد الكويت في الوقت الحالي، إلا أن كل الخوف يكمن في إدارة الحكومة للفائض من النفط، فارتفاع أسعاره يتيح فرصة جديدة لإصلاح المالية العامة والاقتصاد ويثير مخاوف من الإخفاقات المكررة عند كل ارتفاع لأسعار النفط، فالتجارب السابقة لا تطمئن ولا تجعلنا نثق بالحكومة، فقد كانت الكويت تتمتع بفائض خلال أعوام عدة أهدرتها الحكومة في سنوات قليلة، اليوم مع الحكومة الجديدة هل ستكون قادرة على وضع خطط واضحة في مسألة إنفاق الفائض؟ هل سيتحول كاملاً إلى صندوق الأجيال القادمة؟ لاسيما أن الكويت أوقفت استقطاع نسبة الـ10 بالمئة منذ 4 سنوات، أو هل سيتم استثماره بطرق تعود بعائدات جيدة للكويت؟ الحكومة مطالبة بعمل دراسة واضحة وإعلانها للعامة حتى يتبين لنا جديتها في العمل.

وللوصول إلى إجابات اقتصادية عن هذه التساؤلات، استضفنا في «الجريدة» العديد من المختصين الماليين والاقتصاديين، وإلى التفاصيل:

بداية، قال الرئيس التنفيذي لبنك الكويت الوطني عصام الصقر: "يفترض أن نستغل الفائص من ارتفاع أسعار النفط لمصلحة الكويت، لأنه غير مستدام، لذا يجب أن تكون الحزمة الاقتصادية مدروسة بشكل صحيح، والارتفاع الحالي للأسعار لن يكون دائماً، وأرجو ألا يكون له تأثير على الإفراط في بعض احتياطيات الدولة وعدم شد الحزام للأيام الصعبة".

وأكد الصقر أهمية دراسة الوضع الاقتصادي وخاصة الفوائض حتى يكون القرار فيما يُنفَق الفائض سليماً، ويكون متوازناً بحيث لا يتم مس احتياطي الأجيال القادمة، وفي ذات الوقت يجب أن يستثمر ليمنح أفضل عائد للكويت.

حوارات شعبية

من جهته، قال رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لشركة حياة للاستثمار نبيل المناعي إن أسعار النفط انخفضت حوالي 11 مرة خلال الـ 20 سنة الفائتة، وكانت الأحاديث تدور بين أروقة الحكومة ومجلس الأمة، وكانت هناك حوارات شعبية، إلا أن الحكومة لم تتوصل إلى رؤية واضحة، بحيث تطبق أياً من هذه الأحاديث.

وأضاف: "الآن وإلى ما قبل شهرين، خصوصا بعد العجوزات التي حصلت آخر سنتين واستنزاف الاحتياطي العام للدولة، كان الجو العام مهيئا، والإدارة الحكومية لديها جميع التبريرات، وأعتقد أنها تلاقي الدعم الشعبي في ظل هذه المعطيات. كان عليها أن تخلق رؤية واضحة لمعالجة الاختلال والمشاكل الاقتصادية، لكن لم يحصل ذلك. وزير المالية الحالي تسلم، وبعد أسبوعين أعلنوا الميزانية، أي أن هذا جهد الوزير السابق".

وتابع المناعي: "لا أعتقد أننا سنستفيد من الفوائض التي ستتحقق، سواء بزيادة الاحتياطات العامة للدولة، أو زيادة احتياطي الأجيال القادمة، فالمعطيات تشير إلى أنه من غير رؤية لا استفادة من الفوائض، ولن نستفيد منها من خلال إنفاق رأسمالي ذي عائد اقتصادي اجتماعي جيد، لأن الإنفاق من دون وجود رؤية ومن دون وجود أهداف محددة لا أتصور أن يكون مجديا أو ذا عائد اقتصادي".

وأشار إلى أن عدم وجود رؤية واضحة وأهداف تنموية لا يخلق أي مؤشرات على استفادة الحكومة من هذا الارتفاع، فالارتفاع غير دائم، وهو ناتج لظروف معينة أدت إلى اختلال كبير في التوازن ما بين الطلب والعرض لهذه السلعة.

وتابع: "بالتأكيد الأوضاع لن تستمر لما هي عليه، لأن المسببات التي أدت إلى هذا الارتفاع ستزول في يوم ما، وسنرجع إلى ما كنا عليه، وبالتالي هذه مستويات

لا يعكسها الواقع الاقتصادي بقدر ما تعكسها مسببات آنية عابرة غير مستدامة، وبالتالي يجب ألا نعول على هذا المستوى من الدخل".

هدر الفائض

بدوره، قال الخبير الاقتصادي علي رشيد البدر، إنه سيتم هدر الفوائض الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط الحالية كما حصل في الفوائض السابقة، وما يجب أن تقوم به الحكومة هو تحويل كل الفوائض إلى صندوق احتياطي الأجيال القادمة، إذ إن الكويت لا تحتاج إلى هذه الزيادة، فالرواتب مستمرة ومضمون صرفها وكل شي "ماشي" في الكويت، وهذا الارتفاع يعتبر مؤقتاً ولا أعتقد أنه سيطول أكثر ولن يصل إلى 150 دولاراً للبرميل، ولأن الارتفاع مؤقت فيجب أن تذهب هذه الزيادة إلى احتياطي الأجيال، يؤخذ منها فقط ما يغطي ميزانية المصروفات الحالية.

ولفت البدر إلى عدم حاجة الكويت لأي مشاريع إنشائية، حيث قال "لا لزوم لمشاريع إنشائية لا تحتاجها البلد، الكويت تحتاج إلى مشاريع منتجة للدخل، فكل المشاريع التي قمنا بها سابقاً هي مشاريع مصروفات تكلف صيانة أكثر"، موضحاً أن بورصة الكويت انتعشت على عكس بورصات العالم.

وفيما يخص تنويع مصادر الدخل، قال إن ذلك يأتي من إنشاء شركات ومشاريع استثمارية تجني أرباحاً، مثل بنك الكويت الوطني وشركة التأمين تهدف للأرباح، وهذه الشركات لن تحصل في الكويت مادامت الحكومة تسيطر على 80 في المئة من الاقتصاد، يتنوع الدخل عندما يتم تخصيص قطاع الخدمات بالكامل، وعندما يتم تخصيص الصناعة النفطية كالناقلات والبتروكيميكال فهذه الصناعات "تطلع ذهب".

وأكد البدر استحالة تحول الكويت إلى دولة صناعية أو زراعية، "لنصبح دولة صناعية وزراعية نحتاج إلى جيل يتمتع بالخبرات الصناعية والزراعية وهذا ما لا نملكه في الكويت، لا نملك كفاءات صناعية، كل ما نملك هو موظفي حكومة، أجدادنا كانوا يمتهنون التجار لا الصناعة، فعلينا قراءة التاريخ والاستفادة منه في هذا الجانب، لا مجال للصناعة والزراعة في الكويت لأننا لا نملك العمالة ولا التراث الصناعي ولا البيئة المناسبة للزراعة".

ظلال الأزمة الروسية الأوكرانية

من ناحيته، قال الرئيس التنفيذي لـ"كامكو إنفست" فيصل صرخوه، إن الأزمة الروسية - الأوكرانية تلقي بظلالها ليس فقط على أسعار النفط، إنما على الاقتصاد العالمي ككل، فمع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 119 دولاراً للبرميل ستحقق الكويت وسائر الدول المنتجة للنفط عوائد مجزية وتحقق ميزانياتها فوائض مالية، وهناك احتمالات لصعود آخر لكن هذا الصعود سيساهم بارتفاعات أيضاً في نسبة التضخم نتيجة شح إمدادات بعض المواد الأساسية وارتفاع أسعار الشحن وغيرها، لذا لن تتقبل الاقتصادات العالمية صعوداً آخر، وستعمل على تخفيض الأسعار بأقرب وقت ممكن.

وذكر صرخوه أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستوياتها الحالية فرصة ذهبية يجب أن تقتنصها الكويت ودول المنطقة للتحسين من هيكلنا الإداري ووضعنا الاقتصادي والمالي بما يضمن استدامته ومواجهة أي تراجع محتمل لسعر النفط في المستقبل، وإذا لم يتم ذلك فسنرى الهدر وتضيع الفرصة علينا.

وأضاف: "اننا شهدنا خلال الجلستين الماضيتين ارتفاعات في بورصة الكويت سواء من ناحية أداء الأسهم أو من ناحية حجم التداول، وأحد أسباب هذا الأداء هو ارتفاع اسعار النفط لكن هناك عوامل أخرى منها تحسن أداء الشركات والتوزيعات المقترحة بشكل عام وخروج روسيا المحتمل قريباً من المؤشرات العالمية للأسواق الناشئة وبالتالي توجه الاستثمارت من أسواق دول النزاع إلى أسواق المنطقة الناشئة ودون الناشئة ومنها تستفيد بورصة الكويت.

عاملان رئيسيان

وقال أستاذ الاقتصاد في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب د. عبدالعزيز العصيمي، إن ارتفاع أسعار النفط يرجع إلى عاملين رئيسيين متتاليين، يتمثل الأول في ازدياد الطلب الإجمالي العالمي مع انتهاء وباء كورونا، والآخر هو ما نعيشه هذه الأيام، ويتمثل في الحرب الروسية الأوكرانية.

وأشار العصيمي إلى أن العامل الثاني قد يكون مؤقتا وتبدأ بعده موجة ارتفاع الأسعار في التهدئة، أما الأول فقد يكون ممتدا فترة أطول، وعليه فالتوقعات السابقة بـ 65 دولارا للأمد الطويل قد لا تكون واقعية حاليا.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار على المديين القصير والمتوسط (على الأقل) سيقلل بشكل كبير من الضغط على السيولة في خزينة الدولة، إلا انه من المتفق عليه أنه لن يعالج المشكلة الجذرية في الاقتصاد الكويتي بشكل عام والمالية العامة بشكل خاص، موضحا أن الإشكالية الكبرى تكمن في بنية الاقتصاد السياسي للدولة وهيمنة الحكومة على أغلب قطاعاته، وكونها رب العمل الأكبر في الاقتصاد مما يحمّلها عبئا ثقيلا في توظيف عدد ضخم من المواطنين.

وذكر العصيمي أن "هذه الأزمة في بنية الاقتصاد ولّدت أزمة ضخمة في المالية العامة للدولة، إذ أصبحت ميزانية الحكومة (رب العمل الأكبر في الاقتصاد) متضخمة في بند الرواتب بدلا من أن توجَّه لقطاعات البنية التحتية والاستثمار، فأوصلتنا أزمة المالية العامة اليوم لإشكالية السيولة".

وبيّن أن هذه الأزمات المتداخلة هي ما يشكل النظرة السلبية في أي تقييم ائتماني، وعلاج هذه الأزمات هو ممر طويل "وليس باباً سحرياً" من الإصلاحات الطويلة "غير الشعبية"، وهو ممر ضيق بين خيارات إحداها ممر يحتاج إلى متابعة وإدارة حصيفة.

ولفت العصيمي إلى أن هذه الارتفاعات في أسعار النفط أتت بعد عدد من السنوات التي ارتفع خلالها العجز في الموازنة، وتمت تصفية الاحتياطي العام بشكل شبه كامل، مضيفا "أعتقد أن على وزير المالية أن يعي هذا الدرس، ويبدأ بإعادة بناء المصدات المالية بشكل أكثر حصافة من خلال صناديق تحوط ضد تقلبات أسعار النفط تعمل بشكل عالي الكفاءة لسد أي عجز متوقع في المستقبل، ويكون ذلك ضمن خطة لإصلاح المالية العامة بشكل جذري".

وفيما يتعلق بتأثير ارتفاع الأسعار على بورصة الكويت، قال العصيمي، إن الإجابة عن هذا السؤال تتعلق بعدد من العوامل يصعب الإجابة دون الاحاطة بها:

- المدى الزمني والتوسع الجغرافي لهذه الحرب. التوقعات الحالية (المتغيرة بشكل دائم) بحرب محدودة الزمن وتتركز في أوكرانيا (أو أجزاء منها) قد ترجح أن الأثر محدود.

- مدى انكشاف أسواق المال على الاقتصاد الروسي وحجم الاستثمار الخارجي في روسيا، وبناءً على المعلومات المتوافرة فالانكشاف الحالي محدود نسبياً، والخسائر من الاستثمار في السوق الروسي يمكن للمؤسسات المالية تحملها.

- حجم عدم اليقين في تطورات الحرب خصوصا، والعلاقات الدولية ما بعد الحرب عموما وما يتبعها من مدى الانسيابية في قنوات التجارة الدولية في المستقبل، وهنا قد تكون الإشكالية، إذ ما زال عدم اليقين في أعلى حالاته.

الأولوية للإصلاحات

أما العضو المنتدب في إدارة الثروات وتطوير الأعمال بشركة المركز المالي الكويتي (المركز) عبداللطيف النصف، فذكر أنه مع ارتفاع أسعار النفط تميل الدول إلى تأجيل الإصلاحات الاقتصادية، نظراً لتراجع الضغط على الموازنات.

وأضاف النصف: "أعتقد أنه من الضروري أن تُعطى الأولوية للإصلاحات الاقتصادية، حتى مع ارتفاع أسعار النفط، وهو ارتفاع مؤقت في اعتقادي، لأن مصير هذه الارتفاعات غير معروف وخاضع لتقلبات عدة في الأسواق، ولذلك فهو يعد فرصة للعمل على الإصلاحات الاقتصادية".

وأوضح أنه بشكل عام يعد ارتفاع الأسعار أمرا إيجابيا لدولة مثل الكويت يعتمد بند الإيرادات في ميزانيتها بشكل رئيسي على بيع النفط، ومما لا شك فيه أن تعافي الميزانية العامة للدولة يصب في مصلحة البورصة، لأن الحكومة هي أكبر منفق في الاقتصاد، والإنفاق الحكومي هو المحفز الأكبر للبنوك بشكل أساسي وللشركات بشكل عام.

وتابع "إلا أنه جدير بالذكر أن صعود الأسعار بشكل سريع وبوتيرة عالية قد تكون نتائجه سلبية على الاقتصاد العالمي، وهو ما حدث في عام 2008، إذ ترتفع حدة التضخم الذي تعانيه اقتصادات الدول الصناعية المتقدمة، ويترتب على ذلك توقف بعض الشركات والمصانع عن العمل لعدم جدوى إنتاجها في ظل بيئة الأسعار الحالية.

وفيما يخص تأثير الحرب الروسية- الأوكرانية على أسواق المال، قال النصف إن أسواق الخليج بشكل عام شهدت تدفقات أجنبية كبيرة منذ اندلاع الحرب، إذ ينظر لها على أنها ملاذات آمنة في الأسواق الناشئة، إذ تستفيد من صعود أسعار النفط وتتمتع بعملات مربوطة بشكل أساسي بالدولار، كما أنها بعيدة نسبياً عن مخاطر الحرب وما يشكله نقص إمدادات النفط والغاز من مخاوف.

وتوقع أن تستفيد الأسواق الخليجية من المزيد من التدفقات الأجنبية بعدما أعلنت msci وftse، إزالة روسيا من مؤشراتها للأسواق الناشئة، والذي سيترتب عليه ارتفاع أوزان الدول الأخرى، ومنها الكويت وسائر دول الخليج.

وأوضح النصف صعوبة التنبؤ بأسعار النفط المستقبلية، خصوصاً أن ارتفاعها الأخير كان نتيجة هلع الاسواق من الظروف الجيوسياسية وليس العرض والطلب، فاستمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتغليظ العقوبات على روسيا وإمكانية أن تطول صادراتها النفطية بشكل مباشر يمكن أن يتسبب في المزيد من الارتفاعات في الأسعار.

وأضاف: "في المقابل فإن أي إشارات للتهدئة بين روسيا وأوكرانيا وإمكانية إنهاء الحرب ورفع العقوبات عن روسيا من الممكن أن تعود بأسعار النفط إلى مستويات ما دون الـ 100 دولار للبرميل، وهو المستوى الذي يعبر عن واقع العرض والطلب في السوق النفطي من وجهة نظرنا بحوالي 80-90 دولارا للبرميل في ظل الظروف الحالية. كما أن عودة الإنتاج الايراني يمكن أن تساهم في موازنة السوق خلال الفترة المقبلة".

حصة المطيري