سبقني الأستاذ أحمد الصراف بتناول الكتاب القيّم لسيرة المرحوم العم راشد الهارون ومسيرة أبنائه، والذي اعتبره كاتبه الأخ عبدالوهاب الهارون "لبنةً في جدار ذاكرة الوطن"، وأضيف لما كتبه بوطارق، فأقول:

يبلغ حجم الكتاب الذي يتجول بالقارئ، تاريخياً واجتماعياً وتوثيقياً وروائياً ووطنياً وسياسياً واقتصادياً وسلوكياً، 570 صفحة، وفيها يؤكد الكاتب أن "رغبته في كتابة سيرة المرحوم والده ومسيرته مع أشقائه، وفي المحيط منها توثيق تاريخ عائلته الكريمة، وفي الدائرة الأوسع تاريخ وطنه الكويت، لم تكن رغبةً مدفوعةً بحبّ المباهاة والتفاخر ولا اجترار الماضي، بقدر كونها وقائع تشكّل الأرضية الصلبة للانطلاق نحو المستقبل".

Ad

ويواصل قائلاً: "إن الإنسان هو الذي يصنع التاريخ الذي يشكّل مصدر قوة المجتمعات، وهو ليس مجرد قصص عن البطولات وآثار المباني والأمكنة، بل دروس وعِبَر للأجيال".

وقد مثّلت إسهامات الرجال الستّة؛ أبناء المرحوم العم راشد الهارون، رصيدًا كبيراً لهم في سجل الوطن، وإرثًا سيذكره أبناؤهم وأحفادهم بشتّى الميادين التي انصبت بها إسهاماتهم القيّمة، التي استعرضها الكتاب بشكل خاطف من دون بهرجة ولا تفخيم، في حين أن كل فصل منها يستوعب كتاباً منفصلاً بذاته، وهي عطاءات متميزة لمسؤوليات وطنية كبيرة من النادر أن تتهيأ لأسرة واحدة، ولأبناء من أب واحد ليس في الكويت فحسب، بل وفي غيرها من البلدان، "ويستاهلون، والعين عليهم باردة".

أصّل بوراشد وإخوته تلك الإسهامات بأسلوب رشيق، وبتأكيد لدور والديهم كمرجعية تربوية وحاضنة لقيمهم العائلية، ومنها تبجيل المرحومتين والدتهم، والمربّية الأم مبروكة، اللتين كانتا عونًا لهم في مواجهة صروف الحياة والنبوغ بأعمالهم، فيقول الكاتب: "إنهم كأشقاء تجمعهم الكثير من الروابط والخبرات المشتركة، ولكل منهم رؤيته المستقلة التي تصب في النهاية بحوض مصالح الوطن، وذلك يرجع إلى فضل الله سبحانه، وإلى حُسن تربية والدينا، يرحمهما الله، وحرصهما على أن تكون لكل منّا شخصيته المستقلة".

ذلك غيض من فيض الكتاب القيمّ لرجل كبير من الزمن الجميل (العم المرحوم راشد الهارون)، الذي عاش حياة هادئة كشخصيته الواثقة، وقدّم للوطن كتيبة أبنائه الستة، أحمد وعبدالوهاب وخالد ومساعد وعبدالرحمن وإبراهيم (مع الاعتزاز ببناته)، وانتشروا في أرجاء الخدمة العامة بشتّى الميادين وتسنّموا مقاعدهم وزراء وسفراء ومديرين ومحامين وأكاديميين ونواب، وأدّوا أعمالهم بالأمانة والصدق، وارتفعوا بين الناس بحُسن أخلاقهم لا برفيع مناصبهم، من دون حرق للبخور أو تباهٍ واختيال، ومن دون ضجيج أو مزاحمة أو صراع، فكانوا خير مثال لخيرة الرجال.

● يوسف الجاسم