تذبذب معدل البطالة يعتبر أمراً طبيعياً في علم الاقتصاد، فالبطالة في الغالب هي نتاج عدم توفر وظائف كافية، لكن مع الثروة التكنولوجية أصبح التطور التكنولوجي، من أهم أسباب البطالة، لكن في المقابل من شأن هذا التطور أن يخلق لنا وظائف جديدة وكثيرة على مستوى العالم.

بدأ العالم فعلياً الاستعانة بالروبوتات محل العمالة البشرية، فبعض الشركات أصبحت تنفق الكثير للحصول على خدمات الروبوتات، وبهذا الشأن قال المدير التنفيذي لشركة "دي.سي.إل لوجيستكس" بريان تو في تصريح صحافي، إنه "بالنسبة للعمالة البشرية، يعتمد معدل إنتاجهم على ما إذا كانوا يشعرون بالجوع أو التعب أو حتى إذا كانوا قد تناولوا قهوتهم، بينما الروبوتات سريعة على نحو يُعول عليه ولا تأخذ فترات راحة". وأضاف بريان تو: "لا يزال لدينا عمال يعملون بجانب الروبوتات، لكن يمكننا تقليل العمالة بواقع النصف تقريباً".

Ad

تقع مسؤولية كبيرة على الحكومات تجاه الشعوب، وتوفير أساسيات الحياة من مأكل ومسكن وتعليم ومستشفيات لا يقل أهمية على توفير أهم عامل من أساسيات الحياة وهو العمل.

فقبل 245 سنة قال أبو "الاقتصاد الحديث" آدم سميث في كتابه الشهير "ثروة الأمم 1776": "نحن لا نتوقع الحصول على عشائنا بفضل نزعة الخير لدى اللحام أو الساقي أو الخباز، بل من اهتمامهم بمصلحتهم الخاصة"، فمن المهم أن تكون الدولة هي المسؤولة عن توفير وظائف للمواطنين بطرق تساهم في تحسين معيشتهم وجعلهم شركاء في زيادة الإنتاجية لتحسين لنمو الاقتصادي.

فكرة أن هناك آلات ستحل محل البشر موجودة منذ القدم، لكن التساؤل هو "هل نحن على شفا التغير باستبدال الروبوتات بالعمالة البشرية بشكل تام؟" فقد أنفقت الشركات في أميركا الشمالية بحدود ملياري دولار عام 2021 لشراء نحو 40 ألف روبوت، والسبب يعود لنقص الأيدي العاملة الناجمة عن الأزمة الصحية التي اجتاحت العالم.

إن نطاق التحدي كبير، بينما الحل يكمن في زيادة مهارات القوى العاملة وإعادة تدريبها لضمان عدم فقدانها الوظائف، التي ستظل متوفرة بتطور تكنولوجي، ومسؤولية الحكومات اليوم تتمثل بضمان توفر قوى عاملة تقنية ماهرة لمواكبة أي تغير يحدث في فضاء التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

مخاوف وتفاؤل

انقسام الناس طبيعي في أي قضية تطرح أو أي تقنية جديدة تقتحم العالم التقليدي، فهناك قسم يدعم التطور التكنولوجي، ويرى أن هذا التطور صحي في خلق وظائف مقابل توفير الوقت، وهناك من يرى أن التطور التكنولوجي سيدمر العالم ويساهم في الفقر والبطالة.

إن حدث وأصبح عمل الروبوتات من صلب تطور الدول؛ فستكون الكويت آخر من يعمل بها، فالتأخير سمة من سماتنا في كل شيء، فعلياً بدأ العالم في التوجه لهذا التطور، وفي قطاع الصناعات كانت شركات صناعة السيارات أكثر شراء واستخداما للروبوتات في عملية التصنيع، لكن ذلك تغير، ففي عام 2020 استطاعت الشركات الصناعية الأخرى أن تتفوق على صناعة السيارات في استخدام الروبوتات، وارتفعت حصة الروبوتات التي ذهبت إلى الشركات غير المتخصصة في صناعة السيارات بشكل أكبر في عام 2021.

المنافسة وسوق العمل

أحد أسباب دراسة الناس لعلم الاقتصاد هو "فهم السوق العالمي"، فسوق العمل يواجه تحديات عديدة في توفير وظائف تتناسب مع الإنتاجية، ففي كل تطور تكنولوجي تختفي وظائف معينة وتخلق وظائف جديدة، أما أن تكون بديلة لوظيفة معينة بزيادة الإنتاجية، أو أن تزيد من نسبة البطالة وبإنتاجية مساوية للوظائف السابقة، هنا المسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص في دراسة ومواكبة الوظائف الجديدة والمرغوبة.

قديماً كان المنافسون في الأسواق متواجدين داخل نطاق الدولة الواحدة أو بالدول القريبة جداً، أما اليوم فنحن نعيش في "عصر الأسواق العالمية" مما جعل المنافسة أكثر حدة وسط تدفق السلع والأموال عبر الحدود العالمية بكل سهولة.

السوق الكويتي صغير وبسيط، فأغلب المنتجات يتم استيرادها، من سيارات وشاحنات، أصناف ومجوهرات، ساعات، ذهب بما فيه المطلي بالبلاتين، أجهزة الهاتف، مركبات لنقل البضائع، أمصال وغيرها من أجزاء الدم والمنتجات المناعية المعدلة، اللقاحات، مواسير تبطين وأنابيب ومواسير حفر، مستحضرات تجميل، أرز، ومعاطف وعباءات وسترات، مكنات أوتوماتيكية نقالة لتجهيز البيانات، ملابس، أجهزة لا سلكية، سجائر، مستحضرات غسيل، عطور ومياه تواليت، والكثير من المنتجات، ولا نصدر غير المنتجات النفطية كزيوت نفط وزيوت مستخلصة من معادن قيرية، أو منتجات كبولي بيروبيلين، بولي اثلين، منتجات شبه تامة لصنع من حديد أو صلب غير سبائكي ذت مقطع مربع.

وأخيراً أصبحت التجارة الإلكترونية بجانب الرعاية الصحية وقطاع المطاعم من أكثر القطاعات توظيفاً في الكويت، وهذه إشارة على أهمية الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي والتحول للتكنولوجيا - الحكومي- فالحجم الحكومي الهائل يعتبر السبب الأكبر في الأزمة البيروقراطية في الكويت، وهي نتيجة للسياسة الكويتية التقليدية التي تضمن وظيفة دائمة للكويتيين في القطاع الحكومي، لذلك دخول التكنولوجيا في القطاعات الحكومية أهميتها لا تقل عن أهمية تحفيز الموظفين حتى يكونوا أكثر إنتاجية.

كما أن التجارة الإلكترونية من بين القطاعات التي شهدت اعتماداً متزايداً على الروبوتات حول العالم، لذا من الأجدر أن تبدأ الحكومة الكويتية بالقيام بدراسات حول الموضوع وأخذ تجارب الدول فيما يخص شراء واستخدام الروبوتات.

البطالة التكنولوجية

هناك علاقة واضحة ما بين طبيعة سوق العمل والتطور التكنولوجي، وكل تطور سريع يحدث في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يزيد الخوف من تفشي البطالة، وأكثر من سيتضرر من هذا التطور هم الموظفون والعمال أصحاب المهن الحرفية البسيطة وتحديداً عمال المصانع، في المستقبل سيقوم أصحاب المصانع باستبدال العمالة البشرية بالروبوتات.

ذكر الاقتصادي جون ماينرد كينز في ثلاثينات القرن الفائت أن "البطالة التكنولوجية" مجرد مرحلة مؤقتة من سوء التكيف. وفي الكويت نعاني أزمة تكدس الموظفين في الجهات الحكومية، وفي المقابل هناك أزمة عدم اللحاق بالتكنولوجية، فهل سبب عدم تطورنا "تكنولوجياً" هو الخوف من عدم قدرة الحكومة على التوظيف؟

في كل الأحوال الحكومة ملزمة بتوفير وظائف للمواطنين بحكم الدستور، فتخلفنا في التكنولوجيا لا علاقة له بندرة الوظائف أو عدم التوظيف الحكومي، إنما مرهون بسوء الإدارة الحكومية وعدم الالتزام بالتخطيط الاستراتيجي لمواكبة التقدم العالمي.

في ظل التنافس الوظيفي لزيادة أعداد الكويتيون وقلة أماكن سوق العمل، يزيد الذكاء الاصطناعي من نسبة البطالة بسبب مخرجات التعليم البدائية، فبحسب الهيئة العامة للمعلومات المدنية لإحصائية بتاريخ 30 يونيو 2021 فقد وصل عدد العاطلين عن العمل 32851 بنسبة 7.2 في المئة وبلغ عدد الموظفين بالقطاعين الخاص والعام 422841 موظفاً، بنسبة 79.1 في القطاع الحكومي أي بعدد 360595 وبنسبة 13.7 في المئة في القطاع الخاص بعدد 62296 موظفاً.

التعليم الحديث

ولأن الكويت متأخرة جداً في مواءمة مخرجات التعليم مع حاجات سوق العمل، فلابد من البدء بالإصلاحات التعليمية اليوم قبل الغد، وتنفيذ الإصلاحات التعليمية يبدأ بتحديث المناهج وتغير طرق التعليم حتى يكون الناتج خريجين مؤهلين لدخول سوق العمل من غير عقبات (التخلف التعليمي).

العالم متجه للذكاء الاصطناعي لا محالة، فلمواكبة هذا التطور يحتاج التعليم في الكويت تعزيز الكثير من المهارات الحديثة كالابتكار والإبداع والتفكير النقدي والعمل الجماعي، مهارات ليست حديثة عالمياً لكنها غائبة عن النظام التعليمي في الكويت، ومن الضروري البدء بالاستثمار بالأجيال القادمة عن طريق تطويرهم بهذه المهارات.

من جانب آخر، على الجهات التعليمية وخصوصاً المدارس أن تتبنى تطوير المعلمين واستخدام التكنولوجية في شتى الدروس، وأن تكون جزءاً أساسياً من أسلوب التعليم.

جيل جديد

الجيل القادم شغوف بالتكنولوجيا وهناك الكثير من المتمرسين في مجال التكنولوجيا، لابد من تهيئتهم وتمكينهم وتوفير وظائف تتواكب مع التغير العالمي في سوق العمل، حتى تنهض الكويت أمام العالم، مواهب تقنية كثيرة تفتقر إلى بيئة تتبناها وتطورها، دعم وتهيئة الشباب "تكنولوجيا" سيساهم في بناء البنى التحتية للحياة الرقمية في الكويت على مستوى العالم.

الإنسان أهم عامل في التطور التكنولوجي لاسيما وأنه العامل الأساسي الذي يتنفع من التقدم والتطور التكنولوجي، فاستخدام التكنولوجيا يدخل في أبسط أمور الحياة، وعلى الحكومات أن توجه الحلول التكنولوجية لملء فراغ الفجوة الرقمية في حياة البشر، والعمل على تخطيط اقتصادي - رقمي للمستقبل الحياة القادمة التي تعتمد على التكنولوجيا اعتماد رئيسي.

لتخطي مرحلة الاقتصاد الريعي يجب البدأ في تنويع اقتصادي قائم على "الابتكار"، والابتكار يأتي مع الشباب أصحاب الكفاءات إذا توفرت لهم فرص حقيقية ليكون لهم دور فعال وقيادي في المجتمع، لا سيما أن العالم على اتفاق بأن الابتكار هو العنصر والمحرك الأساسي في تنويع مصادر الدخل الاقتصادي.

الأمن السيبراني

صدر هذا الأسبوع مرسوم بإنشاء المركز الوطني للأمن السيبراني، على الرغم من تأخر الخطوة لكنها مهمة ومن الجيد البدء بها، نواجه معضلة بإنشاء مركز جديد بتخصص أصبح من أهم التخصصات في العالم، من غير أن نوفر التخصص في الجامعات، نفتح سوق عمل جديد من دون تهيئة التعليم.

الكويت متأخرة لدرجة لم توفر تخصص الأمن السيبراني في جامعة الكويت، على الرغم من أن بعض الجامعات الخاصة بدأت في تدريس هذا التخصص، يعتمد أمن الدول اليوم على الحفاظ على المعلومات والبيانات الإلكترونية الخاصة لكل دولة، قوة الدولة في هذا التطور التكنولوجي من قوة الأمن السيبراني، فلماذا هذا التجاهل واللامبالة لمثل هذا التخصص في جامعة الكويت؟

فهل سيكون المركز الوطني للأمن السيبراني كغيره من الجهات الحكومية، بطالة مقنعة، تأخير في العمل والإنجاز، تخبطات وسرقات؟

فالتجارة الإلكترونية أصبحت من أكثر الأماكن توظيفياً في الكويت، وفي الكويت التجارة الإلكترونية تنافس التقليدية، ومن هناك تأتي أهمية الأمن السيبراني فمن ناحية هو لحفظ وحماية البيانات والمعلومات سواء للدولة أو للأفراد أو للشركات والمؤسسات، ومن ناحية أخرى يحمي الأمن الإلكتروني للدولة ويحمي اقتصاد الدول من الهجمات الإلكترونية. فالكثير من الدول تنفق الكثير على الأمن السيبراني وقد قدر حجم الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني حوالي 400 مليار دولار سنوياً.

وظائف ستندثر

نواجه تغيرات بشكل مستمر في الحياة لاسيما الحياة المهنية، التكنولوجيا تعمل على تقليل أو تغير بعض الوظائف التي كانت موجودة على نطاق واسع، ومن المؤكد أن الكثير من الوظائف ستكون متواجدة في "ذاكرة التاريخ" للأجيال القادمة فقط.

فمن المرجح اندثار العديد من الوظائف كالمحاسب، فمهنة المحاسب من أكثر المهن التي يتمتع بمهاراتها الروبوتات، وبحسب وكالة سبوتنيك الروسية فقد توقعت أن تختفي مهنة المصحح اللغوي والمحرر والصحافي، وهذا ما حدث في صحيفة "بلومبرغ" حيث قامت الوكالة باستبدال بعض موظفينها المحررين ببرامج تكتب بطريقة أسرع من الصحافيين البشر، بالإضافة لبعض وظائف البنوك وهذا بدأ بالفعل حيث سيكون باستطاعة الشخص فتح حساب واستخدام الخدمات المصرفية عبر الإنترنت من غير الحاجة للذهاب لموظف البنك للقيام بما يقوم به عن طريق البنك الإلكتروني، البنوك لن تختفي تماماً لكن العديد من الأفرع ستختفي.

قائمة الوظائف المنتهية مع الذكاء الاصطناعي تطول في كل فترة، ومن أبرز الوظائف التي سيقل الاعتماد عليها هي (الصيادلة، موظفو البنوك، المحاميون، المترجمون، موظفو الاستقبال، سائقو سيارات الأجرة والشاحنات، حراس الأمن، محللو الأسواق).

ووظائف متوقع أن تنتهي بحلول عام 2030 (وكلاء السفريات، كاشير، طباخو الوجبات السريعة، خدمات البريد، عامل النسيج، مشغل المطبعة، الحكم الرياضي، صائغ التجزئة، التسويق عبر الهاتف، وغيرها).

حصة المطيري