يحضرني كثيرٌ من المواقف التي جعلتني في حالة غضب مكبوت، أو رد فعل داخلية لم تتعد التأفف الذي لا يُسمع، كلما تنمرت إحداهن عليّ، أو كلما استشعرتُ همزاً ولمزاً يقصدني، لكنني كنت وفي كل مرة أبلع شفرة كانت تجرحني من الداخل دونما أن يلحظني أحد، لأن والدتي كانت دوماً تذكرني ألا أرد الإساءة بمثلها، لكن لم تكن توصيات أهلي مرضية حقاً، ولم تكن تُشفي غليل قلبي المقهور آنذاك.

كنت مؤمنة جداً أنني سألقنُ هؤلاء "الحمقى" درسا عندما أكبر، وأنني سأتعلم كيفية الرد ولجم أفواههم غير المهذبة، لكنني تيقنت أن فن الرد لا علاقة له بالعمر، فكلما كبر المرء وجد أشخاصا يكرهونه وبلا سبب، ووجدت نفسي أرسمُ عزلة تخصني، أو حدوداً تلازمني لأنني ما عدت أجد عيداً في الحشر مع الناس أبداً، كما يقولون! وكان هذا الاختلاء بداية حياة وإبداع لي أدمنته صراحة، لكنني لا أتمناه لأطفالي لأنني أريدهم أقوىٰ وأكثر متانة من أن يدفعهم أي مُتنمر أو مريض لـقاع العزلة.

Ad

المشكلة أنهم توارثوا مني "الحياء المبالغ فيه" فصارت قصص تنمر زملائهم في المدرسة تدفعني أنا لرد اعتبار طفولتي بهم، لأنني لا أريد أن يشعر أبنائي بالقهر المكبوت، ولا أريدهم ضعافا، وصار يزعجني أن التنمر و"طولة اللسان" بات شيئا محمودا ويلقى تشجيعا وفخرا في أوساط التربية والأهل، بحجة "عشان محد يقدر عليه"، صرنا نحن الأمهات نحتار، هل نربي أبناءنا على الأدب أم على الرد و"البلاسة"؟

الواقع أن "المتنمرين" في تكاثر، وأوضعهم تصرفا أبرزهم مكانة للأسف، أما "المؤدبون" فيكبرون وفيهم عقد أنبتها فيهم "متنمر وغد" ولم تنفك منهم بعد! فصرت لا ألوم الأهالي الذين يفضلون الـhome schooling في الدول الغربية، وذلك لأن واقع الحياة مختلف عن تربيتك تماما، وكلمة "شكراً" و"لو سمحت" التي زرعتها سنين طوالا في ابنك ستصادف من يغتصبها ويسلبه أغراضه بعيون مبحلقة ودون احم ولا دستور! وسينتاب طفلك تشويش لا يفهمه، هل يبقى على "ممكن" و"عذرا" أم يقلد فظاظتهم؟ وفي كثير من الأحيان، قد يلجأ الطفل إلى الضرب بـما يسمى "الأدب" عرض الحائط والتمرد على كل القوانين لأنه فهم أنها لم تخدمه أبداً، أو قد يفقد ثقته بنفسه ويصبح مهزوزا أبد الدهر!

لم لا يجمعون أولئك المتنمرين أو الأقوياء كما يدعي أهلهم، في منفى بعيد جداً؟ أو أن تُبنى مدن حصرية للمؤدبين، حتى يتسنى لأبنائنا العيش بسلام؟!

● تهاني الرفاعي