بغض النظر عن طريقة انتهاء الأزمة الأوكرانية، لا يمكن نسيان السؤال الألماني الذي لا يزال مطروحاً لكن الكثيرين يغفلون عنه، إنه السؤال الذي طارد أوروبا طوال قرون، فبعد حروب نابليون بونابرت، تساءل الجميع عن احتمال توحيد ألمانيا في إطار دولة واحدةن وشعر الألمان، لا سيما قادة المنطقة الريفية المتصدعة، بالقلق من هذه المسألة أيضاً: في عصر الملوك والأباطرة، لا يمكن أن يحكم إلا شخص واحد، وفي بقية دول أوروبا، بدا احتمال تجدّد الإمبراطورية الرومانية المقدسة مرعباً، ثم تأججت هذه المخاوف خشية أن تتبنى تلك الدول الروح الحربية التي كانت تحملها مملكة بروسيا.

خيّم السؤال الألماني على أحداث الماضي، لكن لم يتضح الجواب عليه قبل عام 1871، عندما اقتنعت بروسيا وأوتو فون بسمارك بتوحيد مناطق من ألمانيا ولو جزئياً، فقد كانت ألمانيا تجربة هشة، ومع ذلك نجحت في هزم فرنسا خلال حرب سريعة، هذا ما أوصل الجزء الكاثوليكي الجنوبي من ألمانيا إلى إنشاء دولة قومية جديدة، هكذا نشأت ألمانيا وهُزِمت فرنسا.

Ad

تعلقت المسألة اللاحقة بشكل الدولة الألمانية، ففي أوروبا التي باتت تتمحور حول الثورة الصناعية في تلك المرحلة، تفوّقت ألمانيا الجديدة على فرنسا وتحدّت المملكة المتحدة كقوة اقتصادية كبرى، حتى أن وجود ألمانيا الموحّدة أضعف ميزان القوى في أوروبا التي استقرت بعد هزيمة نابليون.

ثم أصبح البلد خطاً أمامياً في المواجهة القائمة خلال الحرب الباردة، فلم يحبذ الألمان هذا الوضع، بل أرادوا أن تنشأ أوروبا موحّدة كي تدفن القومية الألمانية عن طريق مؤسسات جديدة وإطار عمل يضمن النمو الاقتصادي. كان الاتحاد الأوروبي يهدف إلى تحقيق هذين الهدفَين، لكنه فشل في مساعيه، فلم تصبح ألمانيا قوة اقتصادية كبرى في الاتحاد فحسب، بل تحوّلت أيضاً إلى وسيطة مؤثرة في الشؤون الأوروبية، واتضحت مكانة ألمانيا مجدداً بعد الحرب الباردة، فأصبحت القوة المهيمنة في أوروبا.

لم يرغب معظم الألمان في أن تطغى قوة البلد الاقتصادية على مكانته كقوة أوروبية أخرى بكل بساطة، فبعد انتهاء الحرب الباردة، لم تُركّز أوروبا على القوة العسكرية بل انشغلت بتحقيق الازدهار، لكن لم يكن ازدهار أوروبا موحّداً، ولم تكن ألمانيا بحد ذاتها بمنأى عن الأحداث التاريخية، فقد كانت مصالح أعضاء الاتحاد الأوروبي مختلفة جداً، ولم يتحمل اقتصاد إيطاليا ما تطمح إليه ألمانيا، وتمسّك سكان أوروبا الشرقية بقيم يمقتها الألمان. بعبارة أخرى، كان الواقع أكثر تعقيداً بكثير مما سعى إليه الألمان.

في ظل تفاقم الأزمة على طول الحدود الأوكرانية حديثاً، عاد السؤال الألماني إلى الواجهة مجدداً، لقد نهضت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كقوة عسكرية تُصِرّ على إعادة تشكيل أوكرانيا وشرق أوروبا بما يتماشى مع مصالحها، حيث تتكل ألمانيا على روسيا للحصول على مصادر الطاقة، وهي مرعوبة من احتمال اندلاع صراع مسلّح في شرقها، لكن كلما حاولت ألمانيا الهرب من التاريخ، لا يكف التاريخ عن ملاحقتها!

كانت الحياة بالنسبة إلى ألمانيا تتمحور حول الاقتصاد بعد الحرب الباردة، وقد حقق البلد بفضل الاتحاد الأوروبي ما يريده منذ عام 1871: الهيمنة على أوروبا، حتى أنه نجح في مساعيه من دون اللجوء إلى العنف الذي مزّق القارة الأوروبية طوال قرون.

لكن أصبح الوضع مختلفاً اليوم، حيث باتت روسيا أضعف مما كانت عليه، لكنها تحافظ على قوة معينة وتطالب بالأراضي في نطاق نفوذها المزعوم. في غضون ذلك، بدأت الولايات المتحدة تتخذ موقفاً دفاعياً من جديد، ولا يزال حلف الناتو قائماً وألمانيا جزء منه، ولهذا السبب تُعتبر ألمانيا جهة أساسية في ملف أوكرانيا، وستزيد الضغوط على الألمان بسبب قوة ألمانيا وحاجاتها الاقتصادية والخوف من الحرب ومن طبيعة السلام المحتمل.

كانت ألمانيا تأمل نسيان ماضيها، لكن السؤال الألماني يبقى أساسياً في خضم هذه المواجهة، وسيكون جواب برلين عن هذا السؤال كفيلاً بإعادة رسم معالم ألمانيا وأوروبا مجدداً، فقد لا تحبذ ألمانيا الجواب المطروح، لكن التداول بالسؤال نفسه يتم منذ معركة غابة "تويتوبورغ" في السنة التاسعة بعد الميلاد، وفي النهاية لا تستطيع الدول أن تختار الأسئلة التي تُطرَح عليها.

● جورج فريدمان - جيوبوليتكال فيوتشرز