"المقادير تُصيِّر العيي خطيباً"، مثل عربي يطلق على الجاهل الذي تخدمه الأقدار، أو يخدع به من بيده الحل والربط، فيتفاجأ بأنه عيي، جاهل، لن يأتي منه خير ولا منفعة، فوراء هذا المثل حكاية: يروى أن وُصِف للحجاج بن يوسف رجل بالجهل، وكانت له إليه حاجة، فقال في نفسه: لأختبرنّه أولا، فسأله حين دخل عليه: أعصامي أنت أم عظامي؟ قاصداً بقوله هذا: أتشرفت أنت بنفسك أم تفخر بآبائك الذين صاروا عظاما؟ فرد الرجل قائلا: أنا عصامي وعظامي.

ظن الحجاج أن الرجل عرف مغزى سؤاله، وأنه في رده إنما كان يفتخر، بنفسه وبشرف آبائه، فقال لنفسه: هذا أفضل الناس، فقضى الحجاج للرجل حاجته، وزاده، وأبقاه معه مدة، وفي يوم ناقشه الحجاج في أمر، فوجده أجهل الناس، فقال له: اصدقني وإلا قتلتك، فقال الرجل: قل ما بدا لك وأصدقك، قال الحجاج: كيف أجبتني بما أجبت لما سألتك عمّا سألت؟ فرد الرجل: والله لم أعلم أعصامي خير أم عظامي، فخشيت أن أقول أحدهما فأخطئ، فقلت: أقول كليهما، فإن ضرني أحدهما نفعني الآخر.

Ad

فقال الحجاج: "المقادير تُصِّير العيي خطيباً"، فذهب قوله مثلاً، وهكذا تسير الأمور عند البعض، فمن السهل عليهم أن يخدعوا بكلمة قالها جاهل قد لا يعلم معناها أو حتى مغزاها، فينخدعوا بمظهر أو قول، لأنهم لم يأخذوا بنصيحة من هم على دراية بذلك الجاهل، ولم يستمعوا للنصيحة، ولكن ما الفائدة وقد وقعت الفأس في الرأس، وأوسدت الأمور لجهّال دون غيرهم من حكمائهم وأصحاب الرأي منهم.

ملحوظة: المثل منقول من التراث بتصرف.

● طلال عبد الكريم العرب