بعد تمركز نحو مئة ألف جندي روسي على الحدود الأوكرانية، لم يسبق أن كانت الحاجة إلى حل الخلافات بين قادة روسيا وحلف الناتو عاجلة لهذه الدرجة، فلطالما أنكر الكرملين تخطيطه لغزو أوكرانيا، على اعتبار أن القوات العسكرية المحتشدة على حدود جارته الجنوبية تنفّذ تدريباً عسكرياً روتينياً بكل بساطة، ومع ذلك تستمر المخاوف من أهداف القوات الروسية النهائية.

أدى تصاعد النشاطات على الحدود الأوكرانية إلى زيادة التوتر بين البلدين تزامناً مع تكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع تصعيد الوضع، فقد تواصل المسؤولون الروس والغربيون في ما بينهم عبر سلسلة محادثات رفيعة المستوى على مر الأسبوع.

Ad

بدأت هذه المحادثات بعدما طرحت روسيا مطالب مثيرة للجدل في نهاية السنة الماضية، فحاولت بذلك أن تحدّ من توسّع نفوذ الناتو في الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي، على غرار أوكرانيا.

بدأ التوتر يتصاعد تدريجاً بين روسيا والغرب منذ التحرك العسكري الذي قادته موسكو في عام 2014 ضد أوكرانيا، مما أدى إلى استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، فهذه الخطوة عرّضت موسكو لعقوبات واسعة.

تحمل أوكرانيا في الوقت الراهن صفة الشريكة في حلف الناتو، وقد عبّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن رغبته في تحوّل بلده إلى عضو كامل في الناتو، علماً أن هذا القرار يُلزِم الحلف بحماية سيادة أراضي أوكرانيا، لكن هذا الخلاف يتأثر أيضاً بعامل مهم آخر: بموجب شروط مذكرة بودابست التي وقّعت عليها أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في عام 1994، وافق الغرب على منح البلد ضمانات أمنية مقابل تنازل كييف عن أسلحتها النووية.

لكن من المتوقع أن يقاوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي محاولة تطلقها أوكرانيا لتسريع انتسابها إلى الناتو كونه يعتبر أوكرانيا جزءاً من نطاق النفوذ الروسي تاريخياً، وهو يعارض هذه الخطوة بقوة.

في الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار أوكرانيا المسألة الوحيدة وراء زيادة التوتر بين موسكو والغرب، بالإضافة إلى منع الناتو من متابعة توسّعه في شرق أوروبا، وهي عملية بدأت منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، يظن الدبلوماسيون الغربيون أن تحركات روسيا على الحدود الأوكرانية تهدف أيضاً إلى رفع العقوبات المفروضة على اقتصادها، وفي غضون ذلك، تُكثّف موسكو ضغوطها لضمان موافقة أوروبا على تشغيل مشروع خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" الذي يمتد من روسيا إلى ألمانيا.

لكن لم يتحقق حتى الآن أي إنجاز ملموس لحل المواجهة القائمة رغم المحادثات التي جمعت مسؤولين من الناتو وروسيا في بروكسل طوال أربع ساعات، فقد انتهى هذا الاجتماع يوم الأربعاء الماضي برفض القادة الغربيين مطالب موسكو المرتبطة بمنع زيادة أعضاء الحلف وسحب قوات الناتو من شرق أوروبا.

بعد ذلك اللقاء الذي تلا جلسة سابقة من المحادثات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا، أعلن أمين عام حلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، أن الحلفاء يُصرّون على عدم الرضوخ لمطالب روسيا المرتبطة بمنع انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف، كما أنهم لن يسمحوا لموسكو بتحديد مواقع نشر قوات الدول الحليفة.

قال ستولتنبرغ: "يمكننا أن نناقش مسائل عدة، لكن يستحيل أن نناقش بعض المبادئ الجوهرية. لقد أصبح اندلاع صراع مسلّح جديد في أوروبا احتمالاً وارداً جداً، فنحن ندرك ما يحصل، لذا أخبرنا روسيا بأنها ستواجه عواقب خطيرة وعقوبات اقتصادية وسياسية إذا قررت استعمال القوة العسكرية".

خلال المحادثات في مقر الناتو في بروكسل، اقترح مسؤولون من الحلف تنظيم سلسلة إضافية من الاجتماعات، لكن قال ستولتنبرغ إن الروس لم يوافقوا على هذا العرض ولم يرفضوه أيضاً.

في الوقت الراهن، من المتوقع أن تستمر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل الأزمة، وسيكون هذا الخلاف على رأس نقاط النقاش خلال اجتماع منظمة الأمن والتعاون في فيينا يوم الخميس المقبل، حيث يحاول المجلس الدائم في أكبر هيئة أمنية في العالم كسر الجمود القائم.

في مقابلة مع القناة الروسية المستقلة "دوجد"، لم يتوقع مايكل كاربنتر، السفير الأميركي في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، تحقيق إنجاز سريع في هذه المحادثات، فقال: "لا أظن أننا سنُحقق أي نتائج ملموسة خلال هذا الأسبوع، هدفنا الأساسي، في المبدأ، هو إطلاق الحوار. قد تكون مواقفنا متعارضة، لكن لا يعني ذلك أننا نعجز عن التوافق حول عوامل ومجالات معينة".

نظراً إلى حجم المخاطر المطروحة، من مصلحة الطرفَين طبعاً أن يحلا خلافاتهما لتجنب أي صراع كارثي في أوكرانيا.

● كون كوفلين - ذي ناشيونال