لم يسبق أن سلطت الأضواء بشكل كامل على زيارة الأمير الراحل الشيخ أحمد الجابر إلى فلسطين عام 1935، لكن الكتاب الصادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية وأعده د. حسام السيد ذكي شلبي، فيه إضافة جديدة برصده للصحافة الفلسطينية وما ورد فيها عن زيارته إلى حيفا والقدس والخليل والشخصيات التي التقاها، كما يشرح د. عبدالله الغنيم من "تصديره" للكتاب الذي يفتح المجال لعدد من القضايا وهي:

أولها - صلة الكويت قديمة بالأراضي الفلسطينية وبرجالاتها، فالقوافل التي تخرج من الكويت منذ نشأتها المبكرة كانت تمر بفلسطين، وتنقل المتاجر منها وإليها.

Ad

كما أن زيارة المسجد الأقصى من الأمور التي كان يحرص عليها أهل الكويت، ويبدو ذلك واضحاً في الفترات التاريخية المتأخرة حينما تيسر أمر السفر إلى القدس.

ويؤكد اهتمام أبناء الكويت بما يحدث في فلسطين، وعلى وجه التحديد القدس، ففي رسالة مؤرخة بتاريخ (26 من يونيو 1911م) موجهة إلى المرحوم فرحان فهد الخالد، يقول فيها مرسلها: "ولابد بلَغكُم عن سرقة الأجانب من الحرم القدسي، قيل عصا موسى وقيل غيره، وهذا تفصيله في جريدة اللاذقية والرياض فيها مقالات زينة تطلعون على الجميع...".

وفي عام 1921م زار الكويت مفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني وبرفقته وفد من الفلسطينيين الذين تلقاهم أبناء الكويت وحاكمها بالحفاوة والتأييد، وقدم لهم الشيخ أحمد الجابر مبلغاً كبيراً من المال.

واستمر بعد ذلك التواصل والدعم للشعب الفلسطيني. ويروي المرحوم جاسم الصقر أن بعض الكويتيين كان يقوم بعمليات سرية لتهريب السلاح والمؤن إلى ثوار فلسطين في فترة الثلاثينيات، وخصوصاً إبَّان ثورة عز الدين القسام؛ فكانت البنادق والذخيرة تصل إلى سواحل الكويت، ثم تحمل إلى البصرة، ومنها عبر الأراضي العراقية والسورية إلى فلسطين، حيث كانت موانئ البحر المتوسط تحت الرقابة الإنكليزية الصارمة. ومن هنا جاءت أهمية الوسطاء الكويتيين في نقل السلاح، والذي كان جزء منه بتمويل بعض المواطنين الكويتيين.

واستمر دعم الكويت المادي والمعنوي، الرسمي منه والأهلي، منذ بداية انتفاضة الشعب الفلسطيني وثوراته المتكررة، وكانت الكويت – ومازالت - أكبر ممّول للمؤسسات الفلسطينية المختلفة كالمستشفيات والمدراس والهلال الأحمر الفلسطيني والجامعات ووكالة غوث اللاجئين والجامعات والمعاهد العليا ومؤسسة الدراسات الفلسطينية وحركة التحرير الفلسطينية.

ثانيها- مما يلفت النظر في النصوص المأخوذة من الصحافة الفلسطينية المتعلقة بزيارة الشيخ أحمد الجابر الصباح لفلسطين اهتمامه باللقاء بالشخصيات المؤثرة في البلاد وتبادل الرأي معهم، والتعريف بالكويت ونشاطها التجاري، وبينت الصحف الفلسطينية على لسان الأمير كيف استطاعت الكويت النجاة من الضائقة التي ضربت الاقتصاد العالمي في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي؛ لأن مواردها متعددة تقوم على التجارة واستخراج اللؤلؤ وبيع التمور، وكذلك لمساعدة حاكم الكويت للتجار، وتعاضد أبناء الكويت لمواجهة تلك الأزمة.

وتذكر الصحف أنه "لم يبق في خليج العرب إلا الكويت محتفظة بمركزها في الملاحة رغم تزاحم البواخر الأجنبية... وما ذلك إلا لوجود روح التعاون والتعاضد المتأصلة في نفوس الكويتيين وحكامهم منذ قديم الزمن، وكل من له إلمام ولو قليل بنفسية الكويتيين يعلم ذلك جيداً".

الصحافة الفلسطينية

وأبرزت الصحافة الفلسطينية زيارات الشيخ أحمد الجابر المختلفة التي تضمنت ميناء حيفا وأبرز مصانعها والبنك العربي في تلك المدينة وفي القدس زار الحرم القدسي ومسجد الصخرة والمتحف الإسلامي، وكذلك الحرم الإبراهيمي في الخليل وكنيسة المهد في بيت لحم.

وأقيمت على شرفه المآدب المختلفة، وقد اتصل به الأمير عبدالله بن الحسين أمير شرق الأردن تليفونياً ودعاه لزيارة العاصمة عمّان.

ومن الشخصيات السياسية والاقتصادية التي التقاها خلال زيارته: أمين الحسيني، روحي بك عبدالهادي، رشيد أفندي الحاج إبراهيم، رفيق بك بيضون، حسن أفندي أبوالسعود، سعد الدين الخطيب.

الوثائق البريطانية

ثالثها- التوقف من خلال اللقاءات عند شخص لازَمَ الشيخ أحمد الجابر في معظم لقاءاته هو السيد رشيد أفندي الحاج إبراهيم، وهو مدير البنك الأهلي بالقدس، الذي ذكرت صحيفة "الدفاع" أنه قد زار الكويت عام 1923م، وأصبحت له علاقة بصاحب السمو منذ ذلك الوقت. وقد ذكرت الصحيفة أن الأمير مكث في زيارته للبنك الأهلي نحو ساعة، ثم طلب أن يجتمع بمديره السيد رشيد الحاج إبراهيم بعد ظهر ذلك اليوم. ويبدو أنهما قد ناقشا معاً مسألة تأسيس بنك في الكويت التي كانت تخلو في ذلك الوقت من مثل هذه المؤسسات. وقد تأكد لنا ذلك من وثيقة محفوظة ضمن الوثائق البريطانية، تتمثل في رسالة مرسلة من السيد رشيد الحاج إبراهيم مدير البنك الأهلي إلى الشيخ أحمد الجابر الصباح، مؤرخة في 12 من ديسمبر 1938م حول إنشاء البنك.

ولعل هذه هي المرة الثالثة التي يثار فيها موضوع إنشاء بنك في الكويت، فقد كانت الأولى في عام 1917م حينما بعث المعتمد السياسي البريطاني في الكويت (هملتن) رسائل إلى بعض التجار، منهم صقر العبدالله الصقر وأحمد محمد صالح الحميضي، يطلب فيها إبداء الرأي في الوسائل الكفيلة بتفعيل التجارة مع بريطانيا، وبيان المعوقات التي تواجه العمل التجاري، مع استفسارات أخرى، يهمنا منها السؤال الذي أورده في هذا الصدد وهو "هل الكويت في حاجة إلى فرع من البنك؟". وكان الجواب من الاثنين المذكورين "إننا لا نرى أن البلد في هذا الوقت بحاجة إلى شعبة البنك، ثم جرت في الفترة من عام 1935م إلى عام 1937م مراسلات مع الشيخ أحمد الجابر من البنك العثماني لفتح شعبة له في الكويت، لكن تلك المراسلات لم تصل إلى نتيجة. ولم يتم إنشاء بنك في الكويت إلا في عام 1942م عندما افتتح فرع من البنك الشاهي البريطاني، الذي تغير اسمه إلى البنك الإمبراطوري ثم أصبح "البنك البريطاني للشرق الأوسط". أما أول بنك وطني فهو "بنك الكويت الوطني" الذي تأسس عام 1952م.

حمزة عليان