في الدراسات الأكاديمية تسقط المحاذير والخطوط الحمراء، فالساحة العلمية فضاؤها رحب طالما كانت تحت سقف البحث العلمي ووفق الأسلوب البحثي والمعروف بقنواته وإلى أين ينتهي.

بين يدي أطروحة دكتوراه لباحث بريطاني الجنسية يدعى LOULS ALLDAY اطلعت عليها على يد المخضرم بالشأن الفلسطيني ومؤسس "هيئة أرض فلسطين" في لندن الدكتور سلمان أبوستة، جلسنا نتناقش حول أبعادها، ارتأيت أن أستعرضها في هذا المقال من باب العلم بالشيء لا الجهل به.

Ad

معظمنا تلقى دورة أو أكثر وكنت واحداً منهم في المجلس الثقافي البريطاني، ولدينا انطباع واحد تقريباً، يكاد ينحصر في الإطار التعليمي المحض للغة الإنكليزية دون أن يسأل أحدنا عن دوره السياسي أو ارتباطاته وكيف نشأ وتحت أية أهداف في ما مضى.

استذكرت "معهد شملان" الذي تأسس عام 1945 في القدس وانتقل إلى لبنان عام 1947 والذي أنشأته بريطانيا لتأهيل السفراء وكبار الموظفين الذين يعملون في البلاد العربية، وذاع صيته، وهناك 103 من السفراء البريطانيين في العالم درسوا اللغة العربية فيه.

رسالة الدكتوراه عنوانها "الدعاية الثقافية في الإمبراطورية المنتهية: دور المجلس البريطاني في الدول العربية في الخليج الفارسي، بين أعوام 1939 و1971" والحاصل عليها من جامعة لندن عام 2021 الأستاذ لويس الذي نال درجة "PHD" من قسم التاريخ.

احتوت أربعة فصول مع مقدمة وخلاصة وجدول المحتويات، وفيها حصة وافية عن موقع ودور الكويت وشخصية "ميوير" وغيره من الموضوعات المتصلة بحرب السويس عام 1956 والبحرين وقطر والإمارات والبصرة ومصر ومواجهة فكرة القومية العربية.

تواكب الرسالة التطورات التي أدت إلى إنشاء المجلس وسلسلة المراكز الأخرى في المنطقة (1950-1970) حيث بدأت حملة واسعة من الدعاية الثقافية لبريطانيا ومنها تكونت صلة ساعدت في حفظ نفوذها في تلك البلاد بعد أن كسبت استقلالها.

من ناحية جغرافية ركزت الرسالة أولاً على البحرين والكويت لكنها شملت فيما بعد عمان وقطر والدول المتصالحة ثم الإمارات بعد 1971.

الاستنتاج الرئيسي للأطروحة، هو أن المجلس البريطاني رغم الادعاء بأنه مستقل عن الحكومة لكنه أساساً مرتبط بأهدافها وأغراضها ومنضبط مع أهداف بريطانيا الاستراتيجية في المنطقة.

في البداية كان الغرض هو استعماله كجزء من المجهود البريطاني للاحتفاظ بالوضع السياسي القائم في مواجهة ما يلي:

أولاً: تهديد القومية العربية.

ثانيا: تهديد التوسع في التعليم بين الأهالي.

ثالثا: نمو الطبقة الوسطى التي تهدد سيطرة بريطانيا على المنطقة.

تزايد نشاط المجلس بعد أزمة تأميم النفط في إيران عام 1951، هذه الحادثة دفعت بالكويت إلى أن تصبح المركز الأهم للاقتصاد البريطاني أدت إلى أن تعيد بريطانيا حساباتها الإقليمية وعليه في هذه الفترة ازدادت أهمية دور المجلس البريطاني كما أكدته لجنة "دروغيدا"، هي لجنة مستقلة قامت بمراجعة شاملة للدعاية البريطانية فيما وراء البحار والتي أصبحت فيما بعد أهم مستوى في الحكومة البريطانية، وبالتالي صارت التقارير التي تصدرها معترفا بها على أعلى مستوى في الحكومة البريطانية.

أما مرحلة التحول في طبيعة الوجود في المنطقة الذي حدث في نهاية مدة الدراسة، أي النقلة من محاولة الاحتفاظ بالهيمنة الإقليمية بواسطة الإبقاء على الوضع السياسي الراهن إلى مرحلة قبول التغيير الحتمي القادم على المستويين السياسي والاجتماعي، وأن هذا التغيير الحتمي يجب أن يعالج لمصلحة بريطانيا، وهذا ما أدى إلى تزايد أهمية المجلس، وعليه فقد أصبح أداة مهمة في طي الاستعمار بالمنطقة، حيث قبلت بريطانيا أن سيطرتها المباشرة لا يمكن أن تستمر، وعوضاً عن ذلك ساعدت في تحويل دول الخليج من محميات بريطانية، حيث تكون الشؤون الخارجية والدفاع تحت سيطرتها، إلى دول مستقلة مطواعة لبريطانيا ومرتبطة بالغرب.

تثبيت هذا الدور الجديد في الستينيات ومطلع السبعينيات أدى إلى توسيع نشاطه في المنطقة كلها، وفي عام 1971 عند انسحابها من إمارات الساحل المتصالح، وحيث تنتهي هذه الدراسة، فقد أصبحت مؤسسات المجلس البريطاني ونفوذه بالغة الاتساع، وكذلك شبكة الصلات المحلية التي رسخها عن طريق التعليم والتدريب في بريطانيا، وأصبحت مصدر قوة كبرى للمجلس.

● حمزة عليان