ذات صباح من سبتمبر 1967 كان لجلوسنا الأول في "المدرج 24" بكلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية بالعديلية، وبالزي الموحَّد المكوَّن من البنطلون الرمادي والبالطو الأزرق الموشَّى بشعار جامعة الكويت بجهته اليسرى، رونق وعبق خاص لا يفارق ذاكرتنا حتى اليوم.

كنت ضمن النخبة المحظوظة أبناء الدفعة الأولى في هذه الكلية الفتية، حيث تهيأ لنا- جيل الخمسينيات والستينيات- معايشة شريط للأحداث والتحولات الكبرى محلياً وعربياً وعالمياً في شتى نواحي الحياة الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والعلمية، وكان من أبرزها محلياً افتتاح جامعة الكويت بفروعها عامي 1966 و1967.

Ad

تلقينا تعليمنا الجامعي في ظل ظروف تاريخية صاخبة، فاصطبغت حياتنا الجامعية بدهشة وجود الجامعة في الكويت من جهة، وعبق وتوهج أحداث الستينيات من جهة ثانية، عدا أحزان الهزيمة العربية وتبعاتها المخجلة تاريخياً.

تشكَّل وعينا السياسي والعلمي والثقافي في تلك الأجواء المختلطة بين الآمال والآلام، وانخرطنا في العمل النقابي الطلابي، عبر الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، في أول ركيزة له بجامعة الكويت، بعد انتقاله من القاهرة عام 1968.

تفتحت مداركنا على معايشة القادة التاريخيين في ذلك العصر، وإبداعات رموز الفنون والثقافة وقاماتهم الشامخة، وتتلمذنا بجامعة الكويت في سنواتها الأربع الأولى على أيدي عمالقة التعليم الجامعي العربي، بهندسة إدارية محترفة رسمها المؤسسون الأوائل:

د. عبدالفتاح إسماعيل أول مدير للجامعة، ومن تلاه من المديرين الكبار، والمرحوم الأستاذ أنور النوري أول الأمناء العامين، والفاضلة لولوة القطامي أول عميدة لكلية البنات، ود. حسن الإبراهيم أول عميد كويتي لكلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية، ود. محمد الرميحي أول مشرف اجتماعي فيها، وكوكبة من الأساتذة العرب الرواد، وأبرزهم مع حفظ الألقاب الدكاترة:

محمد عبدالهادي أبوريدة، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وشاكر مصطفى، ونازك الملائكة، وأحمد أبوزيد، وعثمان نجاتي، وجواد رضا، وحسن نجم بكلية الآداب، ويحيى الملا، وأحمد أبو إسماعيل، وحازم الببلاوي، وصبري مقلد بالاقتصاد والسياسة، وعبدالحي حجازي، وعبدالفتاح عبدالباقي، وعبدالفتاح حسن، ويحيى الجمل بالحقوق، وعلي توفيق، ومحمد بلبع بالتجارة، وغيرهم الكثير من علماء الوطن العربي البارزين، الذين كانوا روافد ثرية لشتى المعارف والتخصصات التي انطلقت بها جامعة الكويت العتيدة، محققة مكانتها الأكاديمية الرفيعة عربياً وعالمياً قبل خمسة وخمسين عاماً، لكنها انتهت اليوم، مع عميق الأسف، إلى تراجع يثير الشفقة والأسى.

عادت بي الذكريات الحانية إلى نصف قرن وأنا أشارك في ترتيبات تعكف عليها مشكورة عمادة كلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت بقيادة د. محمد زينل، للاحتفاء باليوبيل الذهبي لمرور خمسين عاماً على تخرج أول دفعة من كلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية عام 1971 الذين كانوا شباباً يافعين في سن الـ 18 حين رحَّب بهم عام 1967 عميدها الأول الأستاذ الدكتور يحيى الملا بالقول:

إنكم يا أبنائي تصنعون تاريخ هذه الكلية "ربنا يوفقكم لخدمة بلدكم".

تفرقنا وخدمنا بلدنا، كل من موقعه، واليوم ونحن نتفقد كشف الأسماء العزيزة على قلوبنا وذاكرتنا من الإخوة والأخوات أبناء دفعتنا الأولى والأساتذة والإداريين الأفاضل الذين تعلمنا منهم الكثير، الأحياء منهم ومن غادر إلى الدار الآخرة، نتوقف لنلحظ أحفادنا يلتحقون بذات الكلية، استمراراً لدورة الحياة، فندرك أن "عيال الكلية قد كبروا فعلاً"، مثلما كبرت هاماتهم.

شكراً جامعتي.

***

تغريدة:

• أهنئكم بالعام الميلادي الجديد، ونأمل فيه النجاح للحكومة الجديدة، رغم تلبد غيومها. وكل عام وأنتم بخير.

● يوسف الجاسم