أدين لصديقي الدكتور أحمد حمية أني حين تشدني فطرة تكويني المجتمعي نحو الإسهاب بالكتابة أستذكر مقولته المعبّرة أن "الشعب العربي إذا أراد أن يقول جملة يكتب صفحة"، فأسارع الى لجم جموح قلمي وأجاهد النفس للاختصار بتعبير واضح ومفيد، وأدين له حديثاً بما لفتني إليه حين نقل ملاحظة لأحد الشعراء مفادها أن النشيد الوطني اللبناني خال من الأفعال!

دفعتني الملاحظة لاسترجاع كلمات هذا الرمز الوطني الذي من المفترض أن يتضمن كل عبارات الحماسة وخلاصة المشاعر الوطنية، وقد لاحظت بالفعل أن نشيد الجمهورية اللبنانية يتكون من مجموعة جمل اسمية يتفاخر فيها الشاعر رشيد نخلة بالماضي المجيد ويتغنى من خلالها بالطبيعة المميزة ويشدو بها للأرز الخالد، مع بعض الإشارات التحفيزية القليلة التي تربط القول والعمل بسبيل الكمال، وتصف الرجال والفتيان بالأسود عند الفتن والمحن الوطنية.

Ad

الفعل الوحيد الذي ذكر في النشيد تصدّر جملة "صانه ربّه لمدى الأزمان"؛ وفي مضمون هذه العبارة ما يربط حفظ الوطن بالرعاية الإلهية دون أي إشارة لواجب الأخذ بالأسباب مع التوكل على رب الأرباب.

***

لا شك أن ما حدث ويحدث في لبنان من انهيارات متعاقبة هي مسؤولية مشتركة بين الحكام والمحكومين وبين الفسّاد والمفسدين، وهي نتيجة حتمية لتقاعس المجتمع عن مساءلة ممثليه، كما أنها انعكاس قدري لمضمون النشيد الوطني.

فما أجمل التغني بالأرز وما أكثر الحرائق المفتعلة، وما أروع التباهي بمجد التاريخ وما أفشل المراهنة على المستقبل، وما أبهى الحديث عن الوطنية وما أفظع العمل بمنطق "لكم لبنانكم ولنا لبناننا"!

المطلوب ألا يكتب اللبنانيون صفحة للتعبير عن شعور طبيعي بالوطنية، والمفروض أن يشغل العمل جلّ أوقاتهم بدلاً من التلهي باجترار شعارات مكررة وتبادل اتهامات مبتذلة وافتعال انقسامات مدمرة!

"قولنا والعمل في سبيل الكمال" إذ ما طبقت فعلاً لا قولاً هي التي تجعل من "صانه ربه لمدى الأزمان" واقعاً يتسق مع سنّة الكون بنجاح الأفعال بعد الاتكال.

***

ما ينطبق على لبنان الحبيب، ينطبق على جميع الأوطان والشعوب، فما يحدث في أي وطن من ازدهار أو انهيار، لأبنائه حصة الأسد في الأسباب والنتائج، والقول إذا اقترن بالفعل سار صاحبهما نحو القمم، أما إذا وقف الشعب جامداً على أبواب المشاعر الزاهية والوطنية الزائفة فانحداره يصبح مسألة وقت لا أكثر.

المقولة السائدة إن "الكويت محفوظة بخير أهلها"، بقدر ما هي حقيقة رائعة وقناعة إيمانية راسخة، ليست كافية لتحقيق التنمية المستدامة، وليست مؤثرة في منع الفساد، كما أنها لن توفر للأجيال القادمة مستقبلاً يتمنونه.

من ثوابت الشرع الإسلامي الأخذ بالأسباب، وقد استعاذ رسول الله من العجز والكسل، وقال للذي سأله: أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل.

والاتكال على الشافي المعافي لا يبرر الاستغناء عن الاستشفاء، والجهل لا يوأد إلا بالعلم، والمال لا يتساقط مع حبات المطر، والنجاح لا يأتي من دفء السبات، والإصلاح لا يتحقق إلا بمصلحين، والمشاريع لا تنجز إلا بسواعد فتية، والصلاحية لا تعقد إلا لضمائر نقية، والتخطيط لا يكون إلا لعقول نيرة رشيدة.

***

وكي لا أغيظ صديقي العزيز بالإطالة، أكتفي بهذه السطور موجزاً قولي بالدعاء لأوطاننا ومجتمعاتنا أن تسلك درباً يزينه القول الصادق ويثمر فيه الفعل الثابت ويبلغ منتهاه بالعمل الجاد والإرادة الصلبة.

* كاتب ومستشار قانوني

● د. بلال عقل الصنديد