يقيس الناتج المحلي الإجمالي (GDP) حجم اقتصاد الدول وإنتاجيتها، وبقسمة هذا الناتج على عدد السكان يُمكن حساب إنتاجية الفرد (Per Capita GDP).

ويستخدم مقياس إنتاجية الفرد على نطاق واسع كمؤشر على رفاهية الفرد وازدهار الدول، ولذلك تسعى الحكومات إلى تعزيزه من خلال العمل الدؤوب على زيادة الناتج المحلي الإجمالي بوتيرة أعلى من زيادة عدد السكان، مع الأخذ في الحسبان معدلات التضخم.

Ad

بالنسبة إلى دولة الكويت، يعد هذا المقياس مضللًا، لأن جزءا كبيرا من الناتج المحلي الإجمالي ليس من صنع يد الفرد بالكويت، بل هو ناتج عن ثروة ناضبة هي النفط.

لذلك، عند حديثنا عن إنتاجية الفرد في الكويت، علينا أن نكون حذرين في استنتاجاتنا، فعلى الرغم من تعهّد الحكومات الكويتية المتعاقبة بالحفاظ على رفاهية الفرد، فلا شك بأن هذه الرفاهية في تراجع مستمر، بسبب الزيادة في عدد السكان، وإخفاق تلك الحكومات في التغلب على تحدي تنويع الاقتصاد وتنميته.

فالاقتصاد لا يزال يعتمد على النفط بنسبة تُقارب 90 بالمئة، يضاف إلى ذلك فشل هذه الحكومات في تحقيق هدفها برفع حجم إنتاج النفط إلى 4 ملايين برميل يومياً، فهو اليوم بالكاد يُلامس 3 ملايين، إضافة إلى تراجع عائد برميل النفط بشكل عام، بالنظر إلى معدلات التضخم، وزيادة تكلفة الإنتاج.

وبمقارنة إنتاجية الفرد بالكويت مع الفرد في الإمارات من عام 2010 إلى 2019، نجد أن إنتاجية الفرد في الإمارات هي الأعلى منذ عام 2015، كما أن هذه الإنتاجية في الاتجاه الإيجابي، على عكس إنتاجية الفرد بالكويت التي هي في الاتجاه السلبي، (المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي). وإذا استمر هذا النسق، فإن رفاهية الفرد بالكويت في خطر.

لقد اتخذت الإمارات نهجاً مختلفاً عن الكويت في مقاربتها للتنمية، فهي سعت إلى تنويع اقتصادها، معتمدة على السياحة واللوجستية وعلى موانئها الجوية والبرية وشركات طيرانها الضخمة، وعلى جذب العقول الأجنبية المتميزة والكفاءات، مما أدى إلى نمو ناتجها المحلي الإجمالي بشكل مطّرد، غير متأثر بتذبذب أسعار النفط، بينما كان الوضع في الكويت مختلفاً، فقد ظل اقتصادها أسيرا لسعر برميل النفط يصعد ويهبط معه، كما تبنت الكويت سياسة طاردة للكفاءات الأجنبية، معتبرة إياهم عبئا على خدماتها العامة واقتصادها، مما أدى إلى تراجع ناتجها المحلي الإجمالي، (المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي).

وبالرغم من أن كلا من الكويت والإمارات قد شهدتا زيادة متقاربة في عدد السكان تقدر بـ 1.2 مليون فرد على مدى السنوات العشر الماضية، فإن هذه الزيادة كانت عاملا إيجابيا للإمارات، إذ ساهمت في رفع رفاهية الفرد وإنتاجيته، لتصل إلى 43.103$ عام 2019، بعد أن كانت 33.893$ عام 2010.

في المقابل، فإن هذه الزيادة بعدد السكان بالنسبة للكويت كانت عاملاً سلبياً، حيث تراجعت رفاهية الفرد وإنتاجيته في نفس الفترة من $38.577 عام 2010، لتصل إلى 32.373$ عام 2019. وبافتراض تعثّر الكويت بتحقيق التنمية المنشودة في السنوات العشر القادمة، ومع زيادة عدد السكان المتوقعة التي ستصل إلى 5 ملايين فرد تقريبا عام 2030، فإن نصيب الفرد سينخفض إلى 27.000$ تقريباً، ومع هذا الانخفاض ستكون رفاهية الفرد في الكويت هي حقاً في خطر.

لذلك نرى أن على الحكومة توخّي الجدية في دفع خطة التنمية وتنويع مصادر الدخل في السنوات العشر القادمة، كما أن على المواطن تحمّل المسؤولية لأن الجدية في تنفيذ خطط التنمية سيكون لها الأثر المباشر على رفع إنتاجية الفرد، وبالتالي الحفاظ على رفاهية الفرد والمجتمع.

د. طارق عبد المحسن الدويسان