تحدثت في مقالات سابقة عن الوثائق العدسانية التي كان يصدرها قضاة الكويت من آل العدساني الكرام في تعاقبهم حتى عهد الشيخ عبدالله بن خالد العدساني عام 1930، حينئذ انتقل القضاء إلى عالم الكويت الشيخ عبدالله بن خلف الدحيان، ورغم ممانعته الشديدة لتولّي هذا المنصب الحساس، فإنه وافق بعد ضغوط عليه، لكنه حدد فترة ولايته بألا تزيد على سنة عند توليه، ريثما تستكمل الحكومة إنشاء قضاء جديد، وتسلّم بعده الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، واستكملت المراحل الأخرى تدريجياً بظهور وثائق جديدة، وعرفت في الكويت باسم وثيقة "أم علَمين" لحملها علم الإمارة الأحمر، وظهرت هذه النوعية من الوثائق في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي!

وما بين المرحلتين الأولى (الوثائق العدسانية) والمرحلة الثالثة (وثائق أم علمين)، ظهرت نوعية أخرى في الشكل، وأصبحت الحكومة هي الجهة المسؤولة للإصدار، كما تشاهدون أعلاه، وفيما يلي نص إحدى الوثائق، وبعد ذلك قراءة للمضمون:

Ad

بسم الله الرحمن الرحيم

حكومة الكويت

الجلد 1

النمرة 176

سنة 1351

(السبب الداعي الى تحرير هذه الاحرف الشرعيه هو انه قد باعت هيا بنت عبدالله البراهيم بشهاده مبارك بن صالح الفلاح باعت على عبدالمغني بن محمد العبدالمغني وهو ايضا قد اشترا منها ماهو ملكها وهو البيت الواقع في محله القبله الذي اشترته من عبدالله بن ابراهيم بن عبدالله المليفي المحدود قبلته بيت المشترى وشمالا بيت اكتيب بن خلف والجدار للمبيع وشرقاً بيت سلطان بن عبدالعزيز الشويش والجدار للمبيع وجنوبا بيت الوقف والجدار للوقف ويتمه طريق خاص بثمن قدره وعدده مايتين واربع اربيات قبضتها البائعه هيا المذكوره من يد المشتري عبدالمغني المزبور بالوفا والتمام فكان بيعاً صحيحاً شرعياً فبموجب ماذكر صار هذا البيت ملكا لعبدالمغني المذكور يتصرف فيه بما شاء تحريرا في يوم السادس من شعبان لسنه الف وثلثمائه واحدى وخمسين هجرية على صاحبها افضل صلاة وازكى تحيه 6 شعبان 1351).

قراءتي للوثيقة:

1- ظهر لأول مرة توقيع وختم الحاكم على وثائق تملّك البيوت، كما يشاهد في الأعلى ناحية الشمال ختم وتوقيع الشيخ أحمد الجابر الصباح، في حين أن الوثائق التي سبقت ذلك عليها ختم وأسماء قضاة العداسنة الكرام.

2- في الأعلى مستطيل لون إطاره بنفسجي وبداخله بيانات، تعتبر بداية عهد الأرشفة للوثائق، و(الجلد) هو الدفتر التي سُجلت فيه الوثيقة، ويحمل رقم 1، أما النمرة 176، فمعنى ذلك أن هناك عدد 175 وثيقة سبقت هذه الوثيقة وسُجلت بالدفتر.

3- تاريخ صدور الوثيقة في 6 شعبان 1351 هجري، وما يقابل بالميلادي 4 ديسمبر 1932.

4- البائعة للبيت امرأة، هي المرحومة هيا بنت عبدالله البراهيم (الإبراهيم)، وأرجو ملاحظة أن المجتمع الكويتي أعطى الحرية للمرأة أن تبيع وتشتري وتوقف مالها الخاص بسهولة ويُسر منذ عهود قديمة، بينما لا نجد ذلك في المجتمعات الأخرى..!

5- زوج البائعة هو المرحوم مبارك صالح الفلاح، وحضر بصفته شاهداً، وقبضت البائعة ثمن البيت بيدها.

6- المشتري هو جدي المرحوم عبدالمغني بن محمد العبدالمغني، لغرض ضم البيت المشترى إلى بيت العائلة.

7- ثمن الشراء 204 روبيات هندية، وهذه العُملة كانت مستخدمة في الكويت بذلك الوقت وتعادل الروبية الواحدة 75 فلساً، ويصبح الثمن إذا حسبنا بالدينار الكويتي 15.300 (خمسة عشر ديناراً وثلاثمئة فلس لا غير)..!

8- وردت أسماء بالوثيقة، وهذه الأسر مجاورة للبيت: عبدالله بن إبراهيم بن عبدالله المليفي، سلطان بن عبدالعزيز الشويش، اكتيب بن خلف العنزي.

9- يلاحظ أنه ورد بالوثيقة تحديد دقيق لتبعية أجدر البيوت، وكل جدار يتبع بيت صاحبه، ولا حق للمشتري في تبعيتها له، حفظاً لحقوق الجميع..!

10- ورد في الوثيقة من البيوت المجاورة، بيت وقف مجاور لبيت جدي، وهذا البيت كان وقفاً على مسجد بن شرف القريب من قصر العدل الحالي ناحية الجنوب، لكنّ المسجد القديم هُدم عام 1987، وظل المكان خالياً فترة طويلة، وعلى أثر ذلك تنبهت الأمانة العامة للأوقاف في الآونة الأخيرة، وبنت مسجداً آخر كذلك على الطراز القديم في نفس المكان تقريباً..!

الوثيقة أعلاه تعتبر من نوادر وثائق التملّك، بسبب الفترة القصيرة التي استخدمت فيها هذه النوعية!

د. عادل محمد العبدالمغني