المطاردات بدأت مع اقتراب موعد الأعياد، وهي مطاردات المعلنين المسوقين لبضائع متنوعة تسهل للباحثين عن هدية مختلفة يقدمونها لأحد أفراد العائلة أو الأصدقاء كما اعتادوا على مر السنين رغم أن فيروس كورونا يطاردنا جميعا أيضا بتنوعات وألوان، وبين مطاردات المعلنين مستخدمي كل الوسائل من رسائل على الهاتف إلى إعلانات في محطات التلفزة وأخرى على الشوارع بيافطات عريضة لا تستطيع العين إلا أن تلتقطها، تعود تلك الوجوه المكفهرة رافعة الصوت والأيدي محذرة من الاحتفال بأعياد الكريسماس ورأس السنة الميلادية لأنها «حرام حرام»، بل هي بدعة من رجس الشيطان الذي لا يمكن أن يكون أكثر شراً وجهلاً من مثل هؤلاء!!

أي حرام هو في أن يهنئ الإنسان إنساناً آخر قد يكون جاره أو زميله أو زميلته في العمل أو حتى بائع الكعك وصاحب كراج السيارات أو سائق التاكسي الذي يقله كل يوم إلى عمله ويعود به؟ أي حرام هو في أن يقول له «كل عام وأنت بخير؟» أي دين هو الذي يحرم الفرح أو المشاركة في الأعياد لجار أو صديق؟ أي دين هو الذي تعلموه؟ وأين تلقوا علمهم هذا؟ ثم كيف يستطيعون أن يقنعوا عالماً في الذرة بأن تهنئة المسيحيين حرام في أعيادهم؟ أما إضاءة الشموع والوقوف على حائط المبكى عند اليهود فهو حلال حلال، لأن أولي الأمر قد أمروا وعلينا جميعا الطاعة؟ كيف يستطيعون أن يقنعوا العالم بأن المسيحي العربي الذي حمل اللغة العربية وحافظ على أحرفها ونطقها ولفظها وقاتل من أجل أرضه ورفع اسم بلده عاليا، أن تهنئته حرام في حين رسائل الغرام والحب للصهاينة حلال حلال؟ أليسوا هم بنو صهيون؟ أليسوا هم من اغتصبوا الأرض وبطشوا وقتلوا وهجروا وعبثوا في الأنهر والبحار والسماوات والجبال وكل ما سرقوه أمام أعين الكون وبشهود من أهلهم؟

Ad

قبل زحمة الأعياد أوقفوا الجهلة منهم ومنهن، وقولوا لهم إنكم بعيدون جداً عما تدعون به، وإنكم لو حكمتم بدين ربكم لما خسرتم عندما كثرت القبل والأحضان لأعداء البشرية وليس لأعدائكم وقتلة أولادكم ونسائكم وشيوخكم فقط.

مع اقتراب الأعياد وقبل زحمة التهاني، سيقول لك أحدهم مالك وشجرة الكريسماس؟ ولماذا يلون الأحمر أيامك وملابس أطفالك وأحفادك؟ وكيف تسمح بأن يتعلموا أن الكريسماس أحد الأعياد الرسمية وتجعلهم يتشوقون إلى «بابا نويل» وينتظرون هديته تحت تلك الشجرة المضاءة بنجوم وملائكة؟ وسيكثرون من الأسئلة البلهاء التي تتكرر كل عام، ولا تتوقف عند الكريسمس بل تتواصل مع احتفالات السنة الميلادية الجديدة، وكأنها ليست تقويمنا طول العام، فيكررون ماذا تعني لك السنة الميلادية لتسهر حتى الصباح مع أحبتك وتنهي آخر أيام العام بتكرار «لعله أفضل من الماضي، كل سنة وأنتم بخير»، «هابي نيويير»، فيشتاطون غضبا في حين هم نيام نيام ربما منذ الجاهلية الأولى؟!

هم الذين لم يتعلموا شيئاً من عامين من العزلة بسبب جائحة كورونا، ولم يتخذوا درسا وعبرة من أحبتهم الذين رحلوا سريعا بسبب هذا الفيروس الخبيث أو بغيره، فقد تعددت الأسباب وكثر الموت وتحول إلى وجبة يومية، بقوا هم في جهلهم وجهالتهم يلقنون الدروس للجالسين القرفصاء المستمعين لهم بإصغاء شديد راكنين شهاداتهم وعلمهم ومعيشتهم واختلاطهم، راكنين كل ذلك في تلك الزاوية المظلمة نفسها التي أسكنوهم فيها حتى رفعوا سيوفهم في وجه أقرب جار لهم بناء على طائفته أو دينه، وصاروا يسخرون من طقوس عبادة هي لا تبتعد كثيراً عن تلك التي يمارسونها هم، فمن أعطاهم الحق في نكران الآخر وإسقاط حقه في الأرض والهواء وشمس بلاده؟ ومن قال لهم إن قراءة متواضعة للقرآن وربما ناقصة، تعطيهم الحق في توزيع الشهادات لما هو حلال وما هو حرام؟

قبل زحمة الأعياد والمعايدات قولوا لهم: وفروا جهودكم ورسائلكم وموعظتكم واتركوا الناس تختار وتفكر فهي ليست ناقصة عقل ولا دين!! ولا هي بحاجة إلى موعظة من جهلة حتى لو حملوا الشهادات واستعرضوها وهم لا يزالون حبيسي غرفهم المعتمة التي لا تبتعد كثيراً عن السجون.

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية.

● د. خولة مطر