كشفت أحدث بيانات صادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء عن تراجع معدل تضخم أسعار المستهلكين هامشياً في يوليو، ليصل إلى 3.2 بالمئة على أساس سنوي مقابل 3.4 بالمئة في يونيو (+0.3 بالمئة على أساس شهري).

إلا أن معدل التضخم اتخذ اتجاهاً تصاعدياً هذا العام، وارتفعت الأسعار (على أساس شهري) خلال 14 من أصل 15 شهراً الماضية، نتيجة مجموعة من العوامل التي تضمنت تعافي الطلب واضطرابات جانب العرض وارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً.

Ad

وحسب تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني، تعد اضطرابات سلاسل التوريد ظاهرة عالمية، خاصة في ظل نقص العمالة وإعادة هيكلة الاقتصاد المرتبط بالجائحة ونقص العمالة مقابل ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بعد الإغلاق.

كما أدت عوامل مماثلة (إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة) إلى صعود معدلات التضخم في مجموعة من الدول المتقدمة إلى مستويات أعلى بكثير أخيراً، بما في ذلك منطقة اليورو (4.9 بالمئة في نوفمبر) والولايات المتحدة (6.2 بالمئة في أكتوبر).

• كانت ضغوط الأسعار في الكويت أكثر وضوحاً في فئة المواد الغذائية والمشروبات، والتي قفزت في يوليو بنسبة 10.1 بالمئة، على أساس سنوي.

وتم تسجيل ارتفاع في الأسعار عبر معظم المؤشرات الفرعية، إلا أن أعلى معدلات الارتفاع جاءت في فئات الفاكهة (+25 بالمئة) والخضراوات (+9.7 بالمئة) واللحوم (+15.3 بالمئة).

وتعكس بعض تلك الارتفاعات زيادة أسعار المواد الغذائية الدولية بصفة عامة، إذ ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لأسعار الغذاء، الذي يعد مقياساً عالمياً لأسعار المواد الغذائية، بنسبة 33 بالمئة، على أساس سنوي، في يوليو (وبقي مرتفعاً في نوفمبر). ونشأت ضغوط الأسعار التي دفعت أسعار المواد الغذائية (والسلع) الدولية للارتفاع أيضاً نتيجة لانخفاض قيمة الدولار، خاصة خلال شهري أبريل ومايو: وبصفة عامة، يؤدي ضعف الدولار إلى جعل أسعار المواد الغذائية والسلع المقومة بالدولار في متناول المستوردين الذين يستخدمون عملات أخرى، مما يحفز الطلب.

إلا أن تحسُّن أداء الدولار قد يشير إلى تلاشي ذلك الأثر على أسعار المواد الغذائية، وربما يكون قد بدأ في اتخاذ اتجاه معاكس.

• من جهة أخرى، ارتفعت الأسعار ضمن فئة الخدمات السكنية – الإيجارات في الأغلب - بنسبة 0.2 بالمئة فقط على أساس سنوي في يوليو. وتم تسجيل زيادة شهرية هامشية على خلفية زيادة «خدمات الصيانة والإصلاح»، وهو الأمر الذي قد يعكس ارتفاع تكاليف البناء/ المواد الخام.

ولم تشهد إيجارات المساكن أي تغيّر يذكر خلال العامين الماضيين، وحتى هذا التغيير الضئيل يبدو أعلى من التوقعات، في ظل وجود عدد من الدلائل التي تشير إلى عرض خصومات لكل من المستأجرين الحاليين (مؤقتاً لبضعة أشهر) والمستأجرين المحتملين خلال فترة الجائحة. وفي واقع الأمر، فإن دول الخليج الأخرى قد شهدت تراجعاً كبيراً في مؤشر الأسعار الفرعي الخاص بالسكن.

• كما سجل معدل التضخم الأساسي (الذي يستثني المواد الغذائية والسكن) ارتفاعاً متواضعاً لهذا العام، إذ وصل إلى 2.9 بالمئة على أساس سنوي في يوليو، مقابل 2.7 بالمئة في ديسمبر 2020، على الرغم من تراجعه هامشياً مقابل المستويات المسجلة في يونيو (3.0 بالمئة).

واستمر معدل التضخم في الفئات الفرعية، مثل النقل (+ 5.4 بالمئة) والملابس (+ 6.5 بالمئة) والترفيه (+ 8.2 بالمئة) في اتخاذ اتجاه تصاعدي. ووصلت أسعار النقل إلى أعلى مستوياتها المسجلة في 3 سنوات، مدفوعة إلى حد كبير بمكون «السفر الجوي»، الذي شهد زيادة بنسبة 25 بالمئة على أساس سنوي نتيجة ارتفاع أسعار التذاكر بعد الرفع الجزئي لقيود السفر بنهاية الربع الثاني من عام 2021 (ربما تكون قد تراجع في الأشهر اللاحقة مع توافر الرحلات على نطاق أوسع).

وشهدت أسعار أنشطة الترفيه أعلى معدل تضخم فيما قد يُعزى لزيادة تكلفة أجهزة الكمبيوتر الشخصية وأجهزة الكمبيوتر المحمول، بالتزامن مع زيادة معدلات التعليم القائم على الكمبيوتر والعمل عن بعد أثناء الجائحة.

• على النقيض من زيادة أسعار معظم الفئات الأساسية، استمر تراجع تكاليف التعليم بنسبة 15.5 بالمئة على أساس سنوي، بعد أن أعلنت وزارة التربية والتعليم في سبتمبر 2020 خفض رسوم المدارس الخاصة أثناء الجائحة بنسبة 25 بالمئة، في ظل استبدال التعليم في المدارس بالتعليم عبر الإنترنت. إلا أنه مع عودة الطلبة إلى المدارس إلى حد كبير، فإن الرسوم الدراسية عادت إلى طبيعتها مرة أخرى، ومن المقرر أن ينعكس ذلك على مؤشر أسعار المستهلكين لشهري سبتمبر وأكتوبر.

• أما بالنسبة لمعدل تضخم أسعار الجملة، الذي يقيس الأسعار بين أنشطة الأعمال (وليس من الشركات للمستهلكين)، فقد بلغ أعلى مستوياته المسجلة في 3 سنوات بوصوله إلى 1.5 بالمئة على أساس سنوي في يونيو 2021، وفقا للإدارة المركزية للإحصاء. ويعتبر هذا المعدل أعلى قليلاً عن مستوياته المسجلة بنهاية الربع السابق البالغة 0.8 بالمئة. كما وصل معدل تضخم أسعار السلع المستوردة إلى أعلى مستوياته المسجلة في 3 سنوات خلال شهر يونيو، عند مستوى 2.1 بالمئة، بينما ارتفعت أسعار السلع المنتجة محلياً بنسبة 0.6 بالمئة.

• بلغ مؤشر أسعار المنتجين، الذي يقيس التغيرات التي تطرأ على أسعار السلع المباعة والمشتراة من قبل المنتجين، في يونيو أعلى مستوياته المسجلة منذ أكتوبر 2018 (100.1)، إذ ارتفع بنسبة 75 بالمئة على أساس سنوي. إلا أن الدافع وراء جانب كبير من هذا الصعود يعزى إلى ارتفاع أسعار النفط، إذ ارتفعت الأسعار في قطاع استخراج النفط بنسبة 104 بالمئة على أساس سنوي.

وارتفعت الأسعار على مستوى قطاع التصنيع بنسبة 49 بالمئة على أساس سنوي، والذي يعزى بشكل رئيس للزيادة الملحوظة التي سجلها قطاع التكرير، والذي يرتبط أيضا بأسعار النفط. إلا أن الضغوط التصاعدية لم تكن شاملة، إذ إن الأسعار ضمن قطاعات التصنيع الأخرى، بما في ذلك المواد الكيميائية والمعدات الكهربائية، كانت منخفضة على أساس سنوي.

• وبصفة عامة، كان معدل التضخم المحلي هذا العام أعلى قليلاً مما كان متوقعاً، ويبدو أن الضغوط التصاعدية على المستوى الدولي ستستمر فترة أطول مما كان متوقعاً في السابق. وكان الاستهلاك الشخصي في تحسُّن مستمر في الآونة الأخيرة، بدعم من المعدلات القوية لادخار الأسر، ونقص العمالة الذي يمثّل مشكلة في بعض القطاعات (مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الأعمال التي يتم تحميلها بعد ذلك على المستهلكين) واضطرابات سلاسل التوريد العالمية التي تستغرق وقتاً أطول من المتوقع لحلها.

وتعني تلك العوامل، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التعليم اعتباراً من سبتمبر، تزايد الضغوط وفقاً لتوقعاتنا الحالية على معدل التضخم لعام 2021 في الكويت بنسبة 2.6 بالمئة، مع ترجيح وصوله إلى حوالي 3.0 بالمئة.

• وبالنسبة لتوقعات عام 2022، سيتأثر التضخم بعدة عوامل من ضمنها وتيرة انتعاش الاقتصاد على المستويين العالمي والمحلي في ظل إمكانية عودة تفشي فيروس كوفيد-19 (بما في ذلك سلالة أوميكرون الجديدة التي تم اكتشافها أخيراً، والتي يحتمل أن تكون أشد عدوى)، وإمكانية تراجع حدة الضغوط على جانب العرض، واتجاه أسعار السلع الأساسية، ومدى وسرعة تشديد السياسة النقدية من قبل البنوك المركزية في كل أنحاء العالم في محاولة لكبح التضخم.

وفي الكويت، يتوقع تراجع حدة معدلات التضخم هامشياً عن مستويات عام 2021، مع توقع تباطؤ نمو الاقتصاد غير النفطي مقارنة بالانتعاش المتوقع لهذا العام، وتراجع معدلات الإنفاق الاستهلاكي القياسية التي نشهدها حالياً، في ظل تبني الحكومة لموقف إنفاق أكثر تحفظا، نظراً لتوقعات تراجع أسعار النفط.