حجم اقتصاد السعودية يُقارب تريليون دولار، والإمارات نصف تريليون دولار، وقطر مئتي مليار دولار، والكويت مئة وخمسين مليار دولار، ما يُمثل أقل من 8 في المئة من حجم الاقتصاد الخليجي. هذا على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، وإذا وسعنا الدائرة، فسنجد حجم اقتصاد الولايات المُتحدة يفوق اثنين وعشرين تريليون دولار، والصين ثمانية عشر تريليون دولار، وألمانيا واليابان بأكثر من خمسة تريليونات دولار لكل منهما، وهنا ندرك أن الاقتصاد الكويتي يُمثل نقطة في بحر من إجمالي حجم السوق العالمي.

وهذا يعني أن سوق العمل الكويتي محدود جداً، فضلاً عن أن كثيراً من الفرص التي يوفرها هي غير مجدية أو غير مقبولة لطالب العمل الكويتي (عامل منزلي، فني كهرباء أو أدوات صحية، عامل في ورشة تصنيع، عامل إنشاءات، بائع، سائق سيارة أجرة،...). لذلك يستأثر القطاع الحكومي المُتخم بأكثر من 80 في المئة من العمالة الكويتية، أكثرهم يقومون بأعمال بسيطة لا تناسب تأهيلهم العلمي، ما يُمثل هدراً كبيراً لإمكانياتهم وللأموال الطائلة التي دفعتها الدولة على تعليمهم.

Ad

قبل عدة أيام قرأنا أن دولة قطر الشقيقة تفتح ذراعيها للمدرسين الكويتيين للعمل في مدارسها من دون أي شروط أو اختبارات، وأن المُتميزة الكويتية ليلى الجاسم تتبوأ مركزاً مرموقاً في عملاق التكنولوجيا "غوغل" في سان فرانسيسكو، وقرأنا قبل ذلك عن الدكتور وضاح الرفاعي الذي تم اختياره كأفضل جراح للسرطان في ولاية واشنطن الأميركية، وعن الدكتور مُثنى السرطاوي الذي تم تعيينه مديراً لمركز جراحة استبدال المفاصل بمستشفى كينغز كوليدج في لندن.

البعض تحسر على هؤلاء لغربتهم عن ديرتهم، وآخرون استكبروا عليهم العمل عند "آخرين"، وهناك من رأى في ذلك خسارة لعقول كويتية أنفقت عليها الدولة الملايين واستفاد منها آخرون. الحقيقة أنا أرى غير ذلك تماماً، إنني أرى في هؤلاء المتميزين وأمثالهم إشارات إيجابية تدعو إلى التفاؤل لعدة أسباب، أولاً، السعادة التي سيشعر بها هؤلاء لعملهم في مجال هو من صميم تخصصهم وحصولهم على التقدير الذي يستحقونه، وثانياً، رفعهم لاسم الكويت من خلال عملهم في أماكن لا يعمل فيها إلا الصفوة، وثالثاً، مُساهمتهم في تقليل الضغط على ميزانية الدولة التي يتجاوز فيها بند الأجور والرواتب 50 في المئة.

لكن الإشارة الأهم في رأيي هي أن مثل هؤلاء يجعلوننا نُفكر في إعادة تعريف معنى سوق العمل الكويتي. إنه سوق لا تحده جغرافيا الكويت، وهو سوق لا تُعرّفه جهات حكومية أو شركات مُلاكها كويتيون، وهو سوق غير مُحتكر. إنه سوق تُقدّر فيه إمكانيات الشباب الكويتيين، وتُوفر لهم فرص عمل رائعة، وهو سوق يتميز ويكبر فيه الحاصلون على تعليم بمعايير دولية، وهو سوق لا يقدر على العمل فيه مزورو الشهادات والمُتسلقون على جهد غيرهم من الغشاشين والفاسدين، وهو سوق لا يسمح لنائب بالتوسط لتعيين زوير وعوير لنسبه أو لحسبه!

لا أرى ضيراً في أن يعمل الكويتيون في شركات مُلاكها غير كويتيين إذا كانت تلك الشركات تحتضنهم وتُقدرهم، ألا يجب أن تكون مثل هذه الشركات هي أولى بالدعم والتشجيع من تلك الشركات "الكويتية" التي يملكها بضعة أفراد كويتيين ويعمل فيها مئات العمال غير المهرة الذين يستنزفون الخدمات العامة ويخلّون بتركيبة الكويت السكانية وأمنها؟ وما أهمية أن تكون مقرات الشركات التي تحتضن الكويتيين موجودة في الخليج أو في سان فرانسيسكو، إذا ما كانت هذه الشركات تدعم اقتصاد الكويت من خلال تقليل نفقات الدولة على باب الرواتب والأجور، وترفد الاقتصاد بتحويلات واستثمارات الكويتيين العاملين فيها؟ هذا بالإضافة للخبرات المُتقدمة والمتنوعة التي سينقلها الكويتيون العاملون فيها إلى بلدهم إذا ما قرروا العودة.

وأختم بتساؤلات لطالما شغلتني: ما الشركة الأولى بدعم وتشجيع الدولة؟ أهي تلك التي يملكها قلة من الأفراد الكويتيين ويعمل فيها مئات من الأجانب، أم هي تلك التي يملكها قلة من الأجانب ويعمل فيها مئات من الكويتيين؟ لماذا لا يُعاد النظر في تعريف الشركة الكويتية أو المنتج الكويتي الجدير بالدعم والتشجيع؟