أجمل ما فيك شعرك! قالها وتوقف، وكأنه يعود في ذاكرته ليسترجع صوراً كثيرة مر عليها أكثر من عقدين من الزمان، بل ربما أكثر، وما إن ذكرته بعوالم الزمن، وكيف أن الدهر يفسد الكثير مما كان، لم يأبه بل ردد "لا لا شعرك لم يتغير أبداً وهو الذي جعلني أتعرف عليك عندما التقينا مصادفة، أو ربما قدر في ذاك المساء القاهري بمقهى الفندق الفخم المطل على النيل، كنت تجلسين مع ما عرفت لاحقا أنها صديقة حميمة لك، وكنتما منهمكتين في نقاش جدي، بقيت أنا للحظات أتأمل، بل ربما أبحث عن تفاصيلك، شعرك كما هو، بل هو ما جعلني أعيد النظر إلى الجالستين في ذاك الركن الهادئ، وكأنهما اختارتا مكاناً يرفع يافطة "الرجاء الابتعاد" أو "احذروا الاقتراب"!!

وقفت للحظات بسيطة، نعم هذه هي، هذا شعرها، لا يمكن إلا أن تكون هي، لم أر امرأة لديها شعر ساحر كما كان شعرها، ولكن أين الابتسامة بل الضحكة التي لم تكن تفارق وجهها؟ وبينما أنا أبحث جاء النادل الذي يعرفني جيداً بحكم ترددي على الفندق نفسه وحبي الشديد لهذا الركن فيه، لا أعرف ما الذي رددته عليه، ربما قال هناك طاولتك المعتادة القريبة من النافذة المطلة على النيل أيضا، ربما رددت نعم، نعم، ولم أستطع مقاومة ما قد يكون "حشرية" مني في الاتجاه والسلام عليك.

Ad

وبتردد نطقت اسمك فأدرتِ ظهرك وبوجه من نور، وعيناك اللامعتان قمتِ لتحييني، وكأننا لم نفترق أبداً، وكأنها لم تكن سنين طويلة منذ لقائنا الأخير في إحدى "الرمضانيات" القاهرية، وأنا أبحث في كل يوم عن عذر للقاء من بينها نتسحر أو نفطر في الحسين أو... أو، حتى نفدت كل المناسبات والدعوات، ولكن تشاء المصادفات أم هو القدر كما هي هذه اللحظة لأسمع من الأصدقاء أن هناك مسرحية أخرى من مسرحيات الزعيم، وهي تحمل ذاك الاسم "وجدتها" صرخت بفرح الأطفال، واتصلت فلم ترد وأعدت الاتصال حتى تعبت أصابعي، وفي الآخر جاء صوتها "اعذرني كثرت الاجتماعات اليوم رغم أنه رمضان ولكن فترة زيارتي إلى القاهرة قاربت على الانتهاء، وهناك الكثير لما هو مهم للبحث الذي أحضر له". حزنت بعض الشيء، ولكني سألت: "هل حضرتِ مسرحية الزعيم؟"، وقلبي يرجف من الخوف في انتظار الإجابه حتى جاءت: "لا رغم أنني أتمنى ذلك".. إنه القدر يضعنا في طرق تتلاقى أو عندما يشاء يفتح أبواب السماء والأرض.

أعادتني أسئلتك الكثيرة والمتلاحقة إلى الآن، الى اللحظة، فأجبت بكثير من الحماس وعاتبتك كثيراً على عدم بقائك على التواصل حتى ولو كان متقطعاً ومتباعداً، فقلتِ: أنا الآن هنا، وبما أنك موجود إذاً نلتقي خلال الأيام القادمة، جاء ضيوفي وبقيت أراقبك وصديقتك من بعيد على أمل أن يعود القدر ليلعب دوره.

مضت ساعات وأيام طويلة بعدها وأنا أنتظر ربما عودتك لذاك الركن أو الاتصال، ولكن خابت كل آمالي، وجاء موعد سفري أنا هذه المرة، فكان أن رحلت وتباعدت طرقنا إلا نادراً، وفي كل مرة نلتقي وكأن الزمن لم يتحرك لحظة، وكأننا لم نكبر، وكأنني لم أرتبط بامرأة أخرى، رغم أنها لم تكن امرأتي، ففي كل هذه السنين لم أملك الجرأة على مصارحتها بأي شيء، واكتفيت بالحفاظ عليها صديقة أو حبيبة مع وقف التنفيذ.

قالت له عليّ أن أنهي المكالمة ونلتقي في الغد كما اتفقنا هناك في المكان نفسه، ضحك وكأن الزمن قد توقف، وهي تصر أنه ركنها هي، رغم أن الكثيرين مروا من هنا وجلسوا، بعضهم عشاق وآخرون لعقد الصفقات، وكثير منهم ربما يكون مشبوهاً.. ضحك وعلق ببعض تمتمة خوفا من أن يلفظ كلمة أو حرفاً تعوق ذاك اللقاء الذي بقيا يخططان له لأكثر من ستة أو سبعة أشهر، بل ربما منذ ذاك التاريخ حين سمع خبراً عنها أعاد الحياة لما تصور أنها مشاعر كانت وانتهت.. هو في كل رسالة أو مكالمة يتقن فن "الكول" ويعمل جهده ألا تسمع هي عبر الهاتف دقات قلبه المتلاحقة، وكأنها تغني "كم طال انتظارك".

يعد المتبقي من الوقت ليطمئن نفسه "بضع ساعات فقط بضع ساعات"، غير آبه من مخاوفها من عوالم الزمن وكثير من التجاعيد على الوجه وتعب لم يغتسل بعد.

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية.

● د. خولة مطر