لأنها شدتني في روايتها "السندباد الأعمى"، ولأكتشف كم أنني كنت مقصراً، عندما لم أقرأ لها من القصص والروايات من قبل، إذ كنت مكتفياً - بما كان يصادفني - مما كانت تنشره عن بعض القضايا الاجتماعية والسياسية، والأمور الأخرى... ولكن ما إن وافتني العزيزة الروائية باسمة العنزي بـ "السندباد الأعمى" حتى أدركت أنني أقرأ لروائية مُتمكنة في صناعة القصة والرواية، باحترافيةٍ عالية، ففي "السندباد الأعمى" وجدت نفسي ألهث وراء الأحداث التي كانت المؤلفة تُبدع في سردها، غير عابئ بالوقت الذي يمر بي إلى أن أتممتها، واضعاً في اعتباري العودة لقراءتها ثانيةً، ثم وجدتني في حيرةٍ من أمري بما سأكتبهُ عنها - في الجريدة - فهل أبدأ بوصف الأسلوب القصصي الأخاذ؟ أم بالأحداث المتلاحقة التي بدأتها بالغزو الصدامي، وأثرهُ على سجناء - السجن المركزي - الذين وجدوا أنفسهم طلقاء، وأن سنوات سجنهم قد اختزلت لساعاتٍ معدودة، وفيهم من اخططفوا طائرات، وقتلة، وتجار مخدرات، وأصحاب شيكات بلا أرصدة، وغير ذلك من الجرائم الأخرى، لكن "نواف"، الذي كان سجيناً هو الآخر، كان الخيط الذي ربطتني به الكاتبة، إذ إنها أخذتني معه لأعيش أحداث حياته في وضعهِ الاجتماعي بالكويت.

***

Ad

• لعبت بثينة باختزال المسافات، والأزمنة، حيث تمكنت من أن تجعل الأحداث المهمة في العالم طوع بنانها، كاسرةً بذلك - زمكانية - تفاوت أوقات حدوثها:

فهذا نواف يناقش عامر عن انسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان، مروراً بما آلت إليه انتفاضة الطلبة الصينيين قبل شهرين في ساحة تيانمن، ثم يتطور بينهما الحديث ليصل إلى الحصيلة اليومية لعدد ضحايا أطفال الحجارة في فلسطين، والتي لم تتوقف منذ عام 1987، فأطلق عامر الشتائم النابية على أمهات القادة والسياسيين، وعلى المجتمع الدولي، وقال:

- هذي مو انتفاضة حماس بس، هذي انتفاضة كل الفلسطينيين، وبلاش تكسُب، هذا مو وقته!!

ثم تذكر وهما يصولان، ويجولان في مناقشة الكون، أنهما عاجزان عن مناقشة الشأن المحلي بأريحية.

مُتخيلاً رجال المباحث المنتشرين في الدواوين، وبين الطلبة، ونقابات العمال، ومراقبة الصحف، والدستور المعطل، وأشياء أخرى من هذا القبيل.

***

ولابد أن تطلعنا المؤلفة على نواف، الذي يخرج - في الصفحات الأولى - من السجن المركزي، بعد أن تمكن السجناء من كسر الأبواب، ولم يكن هناك من يمنعهم، بعد أن تخلى حراس السجن عن واجباتهم.

فتصف لنا علاقته بزوجته التي تغني "السامريات"، فصوتها رخيم وفيه بُحة مُحببة، والحق يقال إن كل ما في زوجته يُعجبه، بدءاً بشعرها الأسود، وغمازتيها الغائرتين، وكان نواف يُحب الشامات على ظهرها، وهو يعتقد أنها يمكن أن تكون نجمة سينمائية.

***

سأتوقف عند هذا الحد، فهذه حدود الكلمات المسموح لي بها في مساحة المقال، وكم كنت أتمنى الغوص في التفاصيل الرومانسية، والسياسية، والدراماتيكية التي عاشها نواف بعد أن تحرر من السجن.

• قالت لي ليلى العثمان: إن الرواية الكويتية مستقبلها بيد بثينة العيسى!

د.نجم عبدالكريم