قبل انتخابات مجلس الشورى القطري كتبت مقالاً، قلت فيه: لا حظوظ للمرأة القطرية في الوصول للمجلس عبر الانتخابات، لا أمل إلا التعيين أو الكوتا، عارضني بعضهم بحجة أن المجتمع القطري تطور وأصبح يتقبل مشاركة المرأة، وذكروني بسابقة فوز امرأة في انتخابات المجلس البلدي، ورفضوا الكوتا أسلوباً، كونه تشكيكاً في كفاءة المرأة، وتدخلاً في الانتخابات (راجع: حظوظ المرأة القطرية في مجلس الشورى).

جرت الانتخابات وتقدمت 28 مرشحة قطرية، خضن السباق الانتخابي بجدارة، ولم تفز واحدة رغم كثافة الحضور النسائي الذي صوت للرجال. ما أهمية وجود المرأة في المجلس؟

Ad

ينبغي أن نعلم أن التمثيل النسائي النيابي:

1- ليس ترفاً أو مظهراً ديموقراطياً تجميلياً لإرضاء الخارج، أو ترضية للمرأة، بل ضرورة لاستقامة الحياة السياسية للدولة.

2- ضرورة حيوية لمصلحة المجتمع، ولمصلحة الرجل نفسه، ولمصلحة التشريعات الاجتماعية والأسرة والطفل.

3- ضرورة لأجل الارتقاء بالخطاب البرلماني، وتهذيب المسلكيات، وإضفاء جو من التآلف بين الأعضاء، وكسر حدة الغضب التي تعتري النقاشات.

4- ضرورة لأجل الإصلاح، فالمرأة سند الرجل في البرلمان في الإصلاح ومكافحة الفساد.

5- هو صمام أمان تجاه الاحتقان والتأزم.

6- وإعمالاً للمبدأ الدستوري (تكافؤ الفرص)

7- وذلك مقتضى العدل والإنصاف، ليس عدلاً تغييب تمثيل نصف المجتمع.

8- واتساقاً مع حركة التاريخ في رد الاعتبار لمهضومي الحقوق تاريخياً.

9- وهو ما أثبتته التجارب الديموقراطية المعاصرة أنه لا نهضة ولا تنمية حقيقية ونصف المجتمع مغيب عن المشاركة العامة والتمثيل النيابي.

10- أن تغييب المرأة عن الحياة السياسية والنيابية له آثاره السلبية على التنشئة، لأن مشاركة النساء في الشأن العام يجعلهن أقدر على تربية جيل معني بالشأن العام.

لماذا لم تفز أي مرشحة رغم الحشد النسائي الكثيف؟

لقد كان التحدي الحقيقي أمام المرشحات القطريات إقناع بنات جنسهن بكفاءتهن، وهذا كان تحد صعب في مجتمع محكوم بموروث اجتماعي يتشكك في كفاءة المرأة البرلمانية.

هناك عوامل عديدة شكلت عقبات حالت دون وصول المرشحات إلى المجلس منها:

1- فتاوى ومفاهيم دينية راسخة لدى قطاعات نسائية كبيرة ترى في التصويت للمرأة ووجودها البرلماني إثماً يجلب عدم الفلاح كما عند البخاري (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وعضوية المجلس ولاية عامة محرمة على المرأة عند الجمهور.

2- طبيعة الغيرة النسائية تجعل بعضهن يعطين أصواتهن للرجال.

3- قناعات سائدة لدى قطاعات نسائية بأن أمور السياسة والتشريع شأن رجالي.

4- خضوع بعض النساء لضغوط القبيلة والطائفة والعائلة والزوج.

5- أوهام أعلوية الرجل الحاكمة للنظرة المجتمعية: رجالاً ونساء.

6- رواسب ثقافة التنشئة المبكرة المتحيزة تجاه المرأة وتشرب الناشئة التلقائي لها طبقا للبليهي.

7- الطبيعة الريعية للدول الخليجية والتي تجعل من تهميش المرأة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً أمراً مقبولاً، كون إدارة وتنظيم شؤون المورد الآحادي للخليج (النفط والغاز) شأناً رجالياً خالصاً قلل الحاجة لمشاركة المرأة المواطنة.

8- إضافة إلى أن أنظمتنا الخليجية وإن لبست عباءة الحداثة وتزيت بثوب الديموقراطية، هي في جوهرها منتج (سياسي) لـ(ثقافة) القبيلة والطائفة والعائلة.

لكل هذه العوامل، لم يكن للمرأة القطرية سبيل إلى المجلس إلا بأحد طريقين: الكوتا أو التعيين.

وكان من حظ القطرية أن سمو أمير البلاد يملك حق تعيين 15 عضواً، وحرصاً من سموه على أهمية التمثيل النسائي، شمل بكرمه تعيين سيدتين من الكفاءات القطرية في المجلس، فأصبحت القطرية مشاركة وحاضرة في الحياة السياسية والبرلمانية.

* كاتب قطري

د. عبدالحميد الأنصاري