أعادت الانتخابات العراقية الى وجداني الهواجس التي عشتها في زمن موجة النزول الى الشوارع والساحات والميادين التي عاشتها بعض الدول العربية أثناء ما سمّي "الربيع العربي" الذي تحوّل سريعاً الى خريف كئيب، فبقدر ما شعرت بنشوة التفاعل مع انتفاضة الشعوب المقهورة التي لم يعد لديها سوى الشارع للانقلاب على من حكمها لعقود فساداً وظلماً وطغياناً، توجّست- بالقدر نفسه- من فكرة الاعتياد على استخدام الشارع نفسه لقلب الطاولة على الخصوم من التيارات السياسية أو على المغالين في الأفكار والاتجاهات من أهل الحكم.

وها هو المشهد العراقي، يعلن أن نتيجة الصندوق قد تؤدي الى تبدّل في الواقع السياسي لبلاد الرافدين وربما في اتجاه بوصلتها الخارجية، هذا على شرط احترام نتائج الاقتراع وخضوع الشارع طوعاً، مهما زاد حجمه أو علا صوته أو بررت مطالبه، لما أفرزته الانتخابات من أغلبية وأقلية، فالديموقراطية بلا إيمان بها ولا احترام لنتائجها تصبح كأنها ستارة مخملية قد تخفي وراءها ما لا يمكن تقبله أو التمتع بالنظر إليه.

Ad

يذكرنا التاريخ بأن الدكتاتور "أدولف هتلر" قد خاض قبل توليه السلطة انتخابات رئاسية شرعية حصل فيها على المركز الثاني، ومن ثم بعد أن نال لقب "المستشار" نجح في إحباط كل محاولات خصومه للفوز بأغلبية المقاعد في البرلمان، وفي المقابل فإن "الساحة الخضراء" بكل هدير جماهيرها ولافتاتها المزيّنة وشعاراتها الرنانة لم تستطع أن تحوّل "معمّر القذافي" الى حمامة سلام ولا إلى رائد من رواد الحكم الصالح.

وفي عالمنا العربي، أدى التناوب بين استخدام الشارع والصندوق بما يخدم تطلعات الشعب الى تناقض المواقف بين قبول ورفض لهذه الآلية أو تلك! ففي حين كانت "ثورة 25 يناير" نافذة الخلاص للشعب المصري الذي أدت "ساحاتقراطيته" الى وصول جماعة "الإخوان المسلمين" للحكم، تمسّكت الجماعة نفسها بـ"بالصندوقراطية" للتمسك بـ"شرعية" حكم "مرسي" ولرفض نتائج "التفويض الشعبي" الذي أفرزته الساحات في "30 يونيو" لتكريسه كيوم تغييري جديد. أما في تونس التي أشعلت شرارة "الربيع العربي" فقد وصل الرئيس "سعيّد" الى سدّة الرئاسة بآليات الديموقراطية التي أعقبت حيوية الساحات، ومن ثم بعد تمكّنه من أدوات الحكم أثار النقاش حول تقييم إجراءاته التي اتخذها بقناعة منه أنها لخدمة الشعب والديموقراطية، والتي أدت في الوقت نفسه الى تعطيل المؤسسات الدستورية التي اختارها المواطنون التونسيون.

الوطن العربي، في القرن الحادي والعشرين، يحتاج الى وقفة مع الذات يتخلص على أثرها من كل أعباء القرن الماضي بما شهدت معه بلداننا من استعمار خارجي أو تسلّط داخلي، والباب مفتوح أمام شعوبنا لاستخدام الديموقراطية الغربية كأداة رئيسة للتغيير أو لابتكار آليات ديموقراطية جديدة تتوافق مع طبيعتنا العاطفية ومنطق تفكيرنا المتأثر ببيئة تحكمها التقاليد والأعراف والتعاليم الدينية.

ما يهم في هذا الشأن هو تكريس القناعة بأن "الديموقراطية" هي منهج حكم وحياة وليست بأي حال من الأحوال شكلاً أو إجراء أو ديكوراً يتغطى به الفاسقون أو السارقون أو الطامعون للجمع بين الجاه والمال والسلطة، فالعبرة هي في قدرة الشعب على حسن الاختيار، وفي الإرادة باحترام نتيجة الصندوق، وبعدم استخدام لغة الشوارع ومنطق القوة والسلاح للانقلاب على ما أفرزته الآليات الديموقراطية.

ديموقراطية الصندوق هي المبدأ الذي لا يمكن الخروج عنه- إلا استثناء- بديموقراطية الساحات التي إذا ما قالت كلمتها الصادقة والموحّدة هزّت العروش وقلبت الموازين.

* كاتب ومستشار قانوني

د. بلال عقل الصنديد