تشير الإحصاءات والتوقعات إلى انتقال ثلاثة أرباع سكان العالم إلى المدن بحلول عام 2050، وتمثل المدن أكثر من 70% من انبعاثات الكربون في العالم، وتستهلك 60 إلى 80% من مصادر الطاقة، وقد أدى التحضر السريع إلى تحديات إضافية مثل الفوارق الاجتماعية، والازدحامات المرورية، وتلوث الماء والهواء، وما يرتبط بهما من قضايا صحية وبيئية. لذا بدأت الحاجة في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من الحكومات لبناء مدن خضراء ذكية ومستدامة، فالمدينة الذكية المستدامة هي مدينة خضراء مبتكِرة تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحسين نوعية الحياة، وكفاءة العمليات والخدمات الحضرية، والقدرة على المنافسة، وتلبي في الوقت ذاته احتياجات الأجيال الحالية والقادمة فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية.

فالدول بحاجة إلى مدن خضراء مستدامة وذكية تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتعزيز كفاءة استهلاك الطاقة وإدارة المخلفات، وتحسين الإسكان والرعاية الصحية، وتحسين تدفق حركة المرور والسلامة، والكشف عن جودة الهواء، وتنبيه الشرطة إلى الجرائم التي تحدث في الشوارع وتحسين شبكات المياه والصرف الصحي، فالمدن الخضراء الذكية المستدامة بحاجة إلى بنية تحتية للاتصالات مستقرة وآمنة وموثوق بها وقابلة للتشغيل البيني لدعم حجم هائل من التطبيقات والخدمات القائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كالشبكات الذكية (إنترنت الأشياء) والذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية القائمة على مصادر نظيفة للطاقة.

Ad

الكويت بموقعها الجغرافي الفريد، لديها فرصة في طرح وتسويق فكرة إنشاء مدينة الكويت الذكية بجانب ميناء مبارك وتسميتها (بورت مبارك سيتي) لتصبح مدينة تجارية ذكية تتكون من عدة مناطق حرة متخصصة، وتتم إدارتها بنظام الـ«بي أو تي» من هيئة أو شركة مساهمة عامة، لها استقلالية مالية وإدارية، على أن يملك المواطن جزءاً من رأسمالها بجانب الحكومة والقطاع الخاص؛ لتصبح بذلك أكبر منطقة حرة في الشرق الأوسط وتحتضن كبرى الشركات العالمية والإقليمية والمحلية لتقديم كل الخدمات اللوجستية والتجارية والمالية والصناعية والإغاثية والإنسانية للتجمعات السكانية المليونية في الدول المجاورة، لتصبح نقطة التقاء لشعوب واقتصادات دول طريق الحرير.

هذا الهدف الاستراتيجي يتطلب وضع خطط عمل لجذب واستضافة الشركات العالمية الراغبة في الاستثمار والعمل بالمناطق الحرة التابعة لمدينة ميناء مبارك، كما يجب وضع خطة أخرى لتصميم وتجهيز خدمات البنية التحتية للمناطق الحرة في المدينة تشمل تجهيز مساحات ضخمة لمخازن البضائع المختلفة، ومطارا ومنافذ للشحن الجوي والبحري والبري ومصانع ومدارس ومستشفيات نموذجية لسكان المدينة ومباني خضراء وفنادق لإقامة الوفود ومنتجعات سياحية وأجهزة حكومية مصغرة ذات كفاءة عالية تقدم خدمات ذكية تقلص الدورة المستندية الآلية لكل المعاملات، وإنشاء مراكز للتحكيم القضائي الدولي معتمدة من منظمة التجارة العالمية تفصل في النزاعات التجارية لحفظ حقوق الشركات والمساهمين والمتعاملين، ولتقليل المخاطر ولتعزيز ثقة المستثمر المحلي والخليجي والعربي والأجنبي.

إن وضع هذه الخطط الطموحة وتنفيذها سيعيدان للكويت مكانتها وريادتها الإقليمية كمركز مالي وتجاري لوجستي لاستيراد البضائع وتخزينها وإعادة تصديرها وتدويرها ونقلها بين الموانئ الخليجية والعربية والعالمية، لذا يجب الإسراع في وضع وتنفيذ خطة ذكية تنموية استراتيجية شاملة لإنشاء وتسويق وإدارة مدينة ميناء مبارك (بورت مبارك سيتي) كإحدى أكبر مناطق التجارة الحرة، وأحدث المدن الاقتصادية الذكية في الشرق الأوسط لتكون نقطة انطلاقة لكويت جديدة مستدامة.

د. عبدالعزيز إبراهيم التركي