إن الفجوة الاقتصادية ظاهرة غير عادلة ولا تمت للإنسانية بشيء، فهي تؤثر سلبا في كل الفئات داخل المجتمع وتضر بالسياسة وتعوق النمو الاقتصادي وتخنق الحراك الاجتماعي وتشجع على انتشار الجريمة والعنف بين الأفراد، فضلا عن تأثيرها المعنوي، إذ إنها تهدد سلامة الديموقراطية حيث سيطرة الأغنياء على السلطتين السياسية والاقتصادية؛ بالإضافة إلى أن الفجوات القائمة بين الفئات الاجتماعية فيما يتصل بالمداخيل تمثل أبرز صور اللامساواة كما ذكرنا، كما أن صور اللامساواة موجودة على مستوى الاستهلاك، والتفاوتات بين المناطق ضمن بلدان المنطقة العربية وبينها، والفروق الحاصلة على مختلف المستويات الاجتماعية (العمل، التعليم، النوع الاجتماعي...).

إن الحديث عن الفجوة لاقتصادية في البلدان العربية، هو حديث عن التحولات الكبرى التي شهدتها مجتمعاتنا العربية في كليتها، وهو البحث في التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية في ضوء علاقتها باللامساواة الاقتصادية، نتج عنه نهج جديد لتحليل التفاوت في المنطقة يختلف عن النُهُج التقليدية، الأمر الذي يتطلب اتباع أسلوب تجريبي فيه تحليل للواقع المعيش في البلدان العربية.

Ad

وبالتالي تشكل الفجوة الاقتصادية أحد أبرز نقائص المسار التنموي الذي انتهجته الدول العربية طيلة عقود ما بعد الاستقلال، إذ عجزت سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي دأبت حكومات هذه البلدان على إعدادها وتنفيذها منذ بداية الستينيات من القرن الماضي، من تحقيق التوازن المجالي وتقليص الفجوة بين المكونات الاجتماعية.

وفي جميع الأحوال، فإن ما تعرفه المنطقة العربية من أحداث، حيث لا تزال ليبيا تتخبط في صراعات داخلية قبلية ومناطقية وأخرى خارجية، إضافة إلى تحديات الانتقال الديموقراطي التي يشهدها لبنان وتفاقم تداعيات الحرب في سورية واليمن وغيرها؛ جعل الفجوة الاقتصادية واللاعدالة الاجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع العربي تتفاقم؛ فأغلبية الفئات الاجتماعية في هذا المجتمع تعاني التهميش والإقصاء المتزايد حيث وصلت نسبة الفقر والبطالة في دول المنطقة إلى أعلى مستوياتها في ظل جائحة كورونا.

هذا، وتوحي القراءة الأولية للمؤشرات الاقتصادية العربية في مجملها بعدة أمور أبرزها تزايد التفاوتات بين الفئات الاجتماعية في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي، وانخفاض مستوى الادخار مع تراكم الرأسمال وتراجع الاستثمارات البينية.

وهو ما أدى إلى تعرض فئات مجتمعية عديدة في البلدان العربية، لأشكال مختلفة من اللامساواة؛ غالبا ما تتحمل مسؤوليتها الحكومات وفي بعض الأحيان الحكومات ومعها بعض مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني.

والجدير بالذكر أن اللامساواة الاقتصادية ليست مستوطنة في المنطقة العربية بل هي نتيجة لظروف تاريخية وسياسية واقتصادية، بسبب غياب التخطيط السليم والإدارة القائمة على المنهج العلمي، مما أدى بدوره إلى تفاوت في مستويات المعيشة ولا سيما في البلدان الأقل قدرة وثروة.

إضافة إلى هذا، فقد أدت الأزمة المرتبطة بجائحة كوفيد19، إلى جانب ظاهرة الجفاف والصراعات وتزايد الاضطرابات الداخلية، إلى إضعاف التوازنات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلدان العربية، مما طرح المزيد من التحديات الاقتصادية التي تهدد باتساع أوجه التفاوتات الاقتصادية بين الفئات الاجتماعية.

في الختام نستطيع القول إن ظاهرة التنمية غير المتوازنة داخل الدول العربية والتوزيع غير المتساوي للموارد بين المركز والأطراف، بدت واضحة في تراجع مستوى المعيشة وارتفاع معدلات البطالة والتفاوت في الدخل واتساع الفوارق الاقتصادية وعدم كفاية الخدمات الاجتماعية.

وهكذا، فإن إدراج موضوع اللامساواة في النقاش الدائر حول التنمية، أصبح أمرا ضروريا، بالتزامن مع ظهور الدعوة لتبني سياسات تهدف إلى الحد من اللامساواة الاقتصادية وتعزيز العدالة الاجتماعية، بما في ذلك الحماية الاجتماعية والعمل والسياسات المالية.

وبالتالي، فإنه لا يمكن تحقيق المساواة دون الشراكة بين الحكومة والجهات المعنية غير الحكومية، ولا سيما الأفراد والمجموعات المهمشة وتعزيز قدرتهم على التأثير في مسار تطوير وتنفيذ السياسات العامة، خاصة أن هناك فقدانا للثقة بين المواطنين وحكوماتهم في البلدان العربية، بسبب تصاعد الفجوة الاقتصادية ومختلف مظاهر اللامساواة.

* باحثة في الدراسات السياسية.

فاطمة لمحرحر