الحوار مطلوب، وربما ضروري، للخروج من حالة الانسداد السياسي، فالمجلس بالكاد يعقد جلساته، والحكومة تم تحصينها من الاستجوابات. وعلى الرغم من تجارب سابقة في حوارات كانت مخيبة للآمال، فإنها الوسيلة المتاحة في الظروف الحالية.

والملاحظ أنه ما إن بدأت عملية الحوار، حتى تصورها البعض عملية تفاوضية، فطغت عليها الحتميات بأنه "يجب" كذا أو لابد من "كذا" و"لا يمكن قبول" كذا. فتحولت مبادرةٌ لتحريك وفتح الطريق السياسي المسدود إلى تصور بأنها تفاوض، وهي ليست كذلك.

Ad

التفاوض عادة يتم بين أطراف لكل منها نصيب من موازين القوة، ولا علاقة لذلك بالنوايا، والأطراف هنا ليست كذلك. فالنواب لا يمثلون وحدة واحدة، بل إن بينهم تباينات معلنة، وقد يؤدي الحوار، كما يبدو، إلى مزيد من الانقسامات، وقوتهم تكمن في التفاف الشارع حولهم، والحال ليس كذلك.

أما بالنسبة للحكومة، فمنذ 1952 حدث تحول كبير في موازين القوى لمصلحة الأسرة الحاكمة، بعد ارتفاع دخل النفط من 4 ملايين إلى 60 مليون جنيه إسترليني، وضعفت القوى الاجتماعية والاقتصادية بالمقابل، ومن مؤشراتها، الطريقة التي تأسس بها البنك الوطني، وإلغاء مناقصات الشركات الخمس، وسياسة الاستملاكات العامة، فتراجع دور التجار، وظلت قوى اجتماعية/سياسية تلعب دوراً مؤثراً شعبياً، بالدفع الذاتي.

أحياناً وفي محطات معينة، اقترب الحوار إلى شيء قريب من التفاوض، ولكن وضعنا الحالي لا ينطبق عليه ذلك الوصف.

وساعد على الانتقال السلس من "الحكم المشترك" قبل النفط، إلى هيمنة حكومية كاملة على مفاصل القوة، وجود شخصية كالشيخ عبدالله السالم على رأس السلطة، والذي ربطته علاقة جيدة مع العناصر الإصلاحية. إلا أن ذلك لم يمنع من حالات صدام حادة، في التصدي للحركات الشعبية أو المجالس الانتخابية المختلفة، كان أبرزها تعطيل فكرة المجالس في الخمسينيات والصدام الحاد في 1959، على أثر المهرجان الخطابي في ثانوية الشويخ احتفالاً بمرور سنة على الوحدة بين مصر وسورية، والذي ترتب عليه حل الأندية، وإغلاق الصحف، وجملة اعتقالات شملت الناشطين السياسيين.

إلا أنه ما إن بدأ التحرك نحو الاستقلال، حتى بدأ حوار واسع حول طبيعة النظام السياسي القادم بعد الاستقلال، والذي أدى لصدور دستور 1962، بحدوده الدنيا، والذي لم يكن له أن يُنجز من دون وجود نخبة سياسية حول الحاكم حينها، وبالتالي لم يكن مصادفةً أن يكون رئيس المجلس التأسيسي، الذي أنجز الدستور، عبداللطيف ثنيان الغانم، والذي كان عضواً في المجلس التشريعي 1938، والذي اعتقل وسجن أكثر من 4 سنوات، ويقابله الحاكم الشيخ عبدالله السالم، الذي كان رئيساً للمجلس التشريعي، وكأنهما قد دخلا في محاولة إعادة إنتاج المجلس التشريعي بعد 24 سنة من حله، وإن كان الدستور الجديد قد خفض كثيراً من صلاحيات الدستور. وللحديث بقية

أ.د. غانم النجار