بين حين وآخر، تطالعنا هيئة أسواق المال بقرارات إيقاف بعض الشركات عن التداول لمسبباتٍ محددة مختلفة، وغالباً ما تربط العدول عن قراراتها تلك بزوال مسبباتها، وبين استمرار شركات موقوفة عن التداول لأشهر ومصالح المساهمين المعطلة، وضياع الفرص عليهم.

«الجريدة» نقلت هذا الملف إلى رئيس مجلس مفوضي هيئة أسواق المال المدير التنفيذي د. أحمد الملحم الذي قال، إن هاجس الهيئة حماية حقوق المساهمين دون تفرقة بين أقلية أو أغلبية، مضيفاً أن على الشركات مسؤولية وعلى المساهمين مسؤولية أعظم في معرفة حقوقهم وكيفية حمايتها، وأكد أن «يد الهيئة ممدودة للجميع وللشركات الموقوفة عن التداول لتجاوز أسباب الإيقاف وتجاوز الملاحظات».

Ad

الهيئة، وإن كانت مبرراتها لقرارات الإيقاف تلك منطقية ومبررة للعديد من الاعتبارات، كتطبيق التشريعات المنظمة على الجميع بلا استثناء وفقاً لمقومات العدالة، وتضمين تلك القرارات أوجه المخالفات التي استدعت اتخاذها، تكريساً لمقومات الشفافية، لكن جملة من التساؤلات غالباً ما تطفو على السطح مع كل قرار إيقاف يصدر حول مدى انعكاسات تلك القرارات على المساهمين، وفيما إذا كانت تمثل بطريقةٍ أو بأخرى إضراراً بمصالحهم، وهل ثمة تشدد مبالغ من الهيئة في تطبيق تشريعاتها النافذة بحذافيرها وهل من تجاهل لمرونة ما قد تكون مطلوبة أحياناً وتعاملاً بروح القوانين لا نصوصها أحياناً أخرى؟ وهل يأتي التمسك بهذا النهج في مصلحة بيئتنا الاستثمارية المطلوبة؟

هذه التساؤلات وسواها حول موضوع إيقاف الشركات عن التداول، وقراءة الهيئة لهذا الإجراء وانعكاساته في شتى الاتجاهات ذات الصلة، فندها بالتفصيل د. الملحم ووضع النقاط على حروف هذا الموضوع الشائك، الذي سرعان ما يعود إلى الواجهة مع كل قرار إيقاف متخذ بحق شركة مدرجة.

بداية، أشار د. الملحم إلى وضوح التشريعات النافذة في موضوع إيقاف الشركات عن التداول، وتحديداً المادة 1-18 من الفصل الأول للكتاب الثاني عشر (قواعد الإدراج) من كتب اللائحة التنفيذية لقانون إنشاء الهيئة، التي حددت الأحوال التي يتوجب فيها إيقاف التداول في البورصة، كذلك إيقاف تداول أي ورقة مالية، والمتمثلة في: مخالفة المصدر لأي من الالتزامات المفروضة عليه بموجب القوانين واللوائح المعمول بها لدى الهيئة والبورصة، وفي حالات الكوارث والأزمات والاضطرابات، التي قد تخلق آثاراً بالغة الضرر في السوق، وتحقيق حماية المتعاملين في الأسواق، وكذلك في حال عدم التزام المصدر بتقديم أي بيانات أو مستندات تطلبها الهيئة في نطاق اختصاصاتها الرقابية، وأخيراً في حال قيام مراقب الحسابات بإبداء رأي متحفظ جوهري على البيانات المالية المرحلية أو السنوية، أو في حالة إنهاء التعاقد مع مراقب الحسابات بسبب خلاف مع الشركة المدرجة.

وأوضح أن استمرار وقف التداول لستة أشهر دون قيام الشركة باستيفاء المتطلبات اللازمة لاستئناف التداول؛ يوجب على الهيئة إلغاء إدراج أسهمها في البورصة، والعبء هنا يقع على الشركات لاستيفاء المتطلبات.

أما على صعيد التقيد بتطبيق حرفية التشريعات، فيشير الملحم إلى أن مصلحة المساهمين الحاليين والمتعاملين كافة في السوق باعتباره مرفقاً عاماً هي الفيصل أولاً وأخيرأ، مؤكداً تمتع الهيئة بالمرونة الوافية في اتخاذ قراراتها مراعاة لأحوال السوق والشركات المدرجة، كما أن نوعية المخالفة وطبيعتها تؤديان دوراً حاسماً في نوعية القرار المتخذ، فالهيئة تبني على الشيء مقتضاه، ثمة حالات تستدعي إيقافاً فورياً لتدارك أوضاع استثنائية تخرج عن النطاق المنطقي والمألوف كالتداولات غير الاعتيادية مثلاً.

في المقابل، ثمة حالاتٍ أخرى تتطلب التريث والاستقصاء والتواصل مع الأطراف ذات الصلة للتوصل إلى القرار الأنسب الذي يندرج في إطار إعمال شؤونها بشأن الشركات المرتكبة للتجاوزات او المخالفات بإحالتها إلى مجلس التأديب أو نيابة سوق المال أو وحدة التحريات المالية.

مصالح المساهمين

يقول الملحم إن مصلحة المساهمين «أكثريتهم وأقليتهم» تأتي في المقام الأول بالنسبة للهيئة، خصوصاً أن حماية المتعاملين في أنشطة الأوراق المالية، والمحافظة على استقرار سوق المال تمثل أهدافاً رئيسية للهيئة، وتأتي في طليعة أولوياتها واهتماماتها.

الملحم، وإن أقر بانعكاسات سلبية مباشرة في المدى القصير (لابد منها ولا طريقة للحيلولة دونها) لقرارات الإيقاف على مصالح المساهمين، «إلا أن مصلحتهم على المدى البعيد، وكذلك مصلحة السوق والبيئة الاستثمارية على وجه العموم تقتضي اتخاذها».

وباستعراض مسوغات قرارات الإيقاف المتكررة عادة، يضيف الملحم، نراها تتمثل في مخالفات جسيمة لاستحقاقات قانونية واضحة كل الوضوح لاتحتمل اللبس، متسائلاً أين مصلحة المساهمين في وجود مخالفات وملاحظات متصلة بالمتطلبات الرقابية؟ أو تلك المتعلقة بشبهات غسل الأموال وتمويل الإرهاب؟أو المخالفات المتعلقة بقصور الإفصاح عن البيانات المطلوبة لاسيما المالية منها في مواعيدها المحددة؟ أو المخالفات المتصلة بتقييم الاستثمارات ؟ أو الأخطاء الموجودة في البيانات المالية التي لاتتفق مع معايير المحاسبة الدولية؟

ويستطرد الملحم: ألا تقتضي مصلحة المساهمين التزام إدارة الشركة موضع استثماراتهم بالإفصاح عن الأحداث والوقائع ذات الانعكاسات المحتملة على استثماراتهم؟ ألا تقتضي أيضاً تصويب الملاحظات والمخالفات المرتكبة؟ ألا تشكل البيانات المفصح عنها أساساً لقراراتهم الاستثمارية؟

حماية المستثمرين

وشدد على أن «حماية حقوق الأقلية من المساهمين والمتعاملين الحاليين والمحتملين مستقبلاً في أنشطة الأوراق المالية» يمثل هاجس الهيئة على الدوام، ويمكن اعتباره هدفاً لمعظم التعديلات التي تجريها على اللائحة التنفيذية لقانونها، مبيناً أن قواعد الإدراج ومتطلباته تحت مجهر تعديلات الهيئة التي كان آخرها في شهر فبراير الماضي، مع تعديل الأحكام المتصلة بحماية حقوق الأقلية لدى انسحاب الشركات المدرجة من البورصة، وكذلك الأحكام المتعلقة بحماية المتعاملين في الشركات المشكوك بصحة بياناتها المالية.

وأضاف أن تعديلات جوهرية أجرتها الهيئة على قواعد الإدراج التي تستدعي إيقاف تداول الورقة المالية للشركة في حال مخالفتها، وقد تركزت التعديلات على تعزيز دور مراقب الحسابات في الشركة نظراً لانعكاساته الحاسمة على مصالح المساهمين وقراراتهم، إذ أتاحت تلك التعديلات للهيئة إيقاف سهم الشركة المدرجة عن التداول في حال إبداء رأي مراقب الحسابات فيها رأياً معاكساً أو قراره عدم إبداء رأي، كما أوجبت على الشركة الإفصاح عن رأيه كتابةً وشرحاً تفصيلياً للحالة التي استوجبت رأيه، وخطواتها لمعالجة الملاحظات الواردة في ذاك الرأي، كما أوجبت خطواتٍ مماثلة في حال قيام مراقب الحسابات بإبداء رأي متحفظ على البيانات المالية المرحلية أو السنوية للشركة.

في الإطار ذاته، أشار الملحم إلى مرونة الهيئة في تطبيق إجراءاتها المتعلقة بإيقاف أسهم الشركات عن التداول مراعاة للظروف العامة أو تلك المتعلقة بالشركة ذاتها، فقد مددت مواعيد العديد من المتطلبات اللائحية والتنظيمية في ظل الجائحة على سبيل المثال، فأجلت مواعيد انعقاد الجمعيات العامة، كذلك مواعيد الإفصاح عن البيانات المالية لفتراتٍ محددة، وهي قضايا تستوجب إيقاف الإدراج في بعض الحالات.

ولفت إلى مرونة لاحقة لقرار الإيقاف تتمثل في إعادة الورقة المالية إلى التداول بعد استيفاء الشروط والمتطلبات اللازمة خلال المدة المحددة، وكذلك في حال معالجة الأمور التي دعت مراقب الحسابات إلى إبداء رأيه المعاكس أو في حال عدم إبدائه رأياً أو في حال صدور بيانات مالية جديدة، وفي أية حالات أخرى تراها الهيئة مقبولة.

في هذه النقطة تحديداً يؤكد الملحم أن ثمة عدالة في تطبيق التشريعات على الجميع، دون إغفال خصوصية كل حالة على حدة. وفي هذا تكريس لمرونة مطلوبة تقتضيها مصلحة المساهمين أولاً وأخيراً متسائلاً ألا يمثل ذلك عملاً بروح القانون؟

إجراء رقابي رادع

يعتقد الملحم أن قرار إيقاف أسهم الشركات المخالفة وإن كان يقع في صميم مهام الهيئة الرقابية تطبيقاً لنص البند الثالث من المادة الثالثة لقانون الهيئة التي نصت على «توفير حماية المتعاملين في نشاط الأوراق المالية»، فإنه لايمثل بحالٍ من الأحوال «سيفاً مصلتاً» تستخدمه بدواعٍ مبررة أو بدونها، وإنما لا يتجاوز حرصها على ضمان الالتزام بالقوانين واللوائح ذات العلاقة بنشاط الأوراق المالية، وتطبيقها على قدم المساواة على الجميع إعمالاً لقواعد العدالة والشفافية التي تحرص الهيئة على تكريسها واقعاً.

وهذا الجانب على وجه التحديد يمثل بعضاً من مسؤولية الهيئة في قرارات الإيقاف عن التداول وتداعياتها، إلى جانب مسؤولياتها عن مساءلة مجلس إدارة الشركة المدرجة تأديبياً عن الأسباب التي أدت إلى وقف التداول في حالات معينة، من بينها حالات إنهاء التعاقد مع مراقب الحسابات لخلافه مع الشركة، كذلك في حال عدم قيام الشركة المدرجة بعقد جمعيتها العامة العادية للسنة التالية لانتهاء السنة المالية خلال شهرين من تاريخ إفصاحها عن بياناتها المالية المدققة. ويؤكد الملحم أن «مصلحة المساهمين» تمثل القاسم المشترك جراء تلك الإجراءات جميعها.

مسؤولية مشتركة!

أما بالنسبة لجوانب المسؤولية الأخرى فتتوزع وفق تأكيد الملحم بين «إدارة الشركة» و»المساهم». فإدارة الشركة ذات مسؤولية مباشرة عن إدارتها وأعمالها، كما أنها معنية بضمان توافق أهداف الشركة مع أهداف مستثمريها، كذلك إدراك أحكام التشريعات المنظمة ذات الصلة، والالتزام بها، وتقديم البيانات والمستندات، والإفصاح عن المعلومات المطلوبة في مواعيدها المحددة، إضافة إلى المحافظة على حقوق المساهمين، وإتاحة إمكانية متكافئة لممارسة تلك الحقوق لكافة المساهمين كاملة وبعدالة لاسيما في الجمعيات العامة، وإحاطتهم بالمعلومات اللازمة بالطريقة المعتمدة وفي التوقيت المطلوب بما يمكنهم من اتخاذ القرار الاستثماري الصائب والمراقبة الفاعلة لأداء الشركة.

وأكد الملحم على أهمية التزام مجالس إدارات الشركات بتطبيق قواعد الحوكمة لمراعاتها مصالح كافة الأطراف ذات الصلة واعتبارها «حماية حقوق المساهمين» إحدى ركائزها، كما أنها تضمن وجود أطر مناسبة تشجع المساهمين على التحاور مع إدارة الشركة ومراقبتها، لافتاً إلى أهمية إحاطة المساهمين بتقارير عدة كتقرير مجلس الإدارة، وتقرير الحوكمة، وتقرير مراقب الحسابات، وأية جزاءات تطبق على الشركة.

بالمحصلة، فإن المسؤولية الأكبر في قضايا الإيقاف تقع على عاتق إدارة الشركة، كما يراها الملحم مشيراً، في ذات السياق، إلى أن مسؤولية المساهم مضاعفة أيضاً لأنه يعد مالكاً للشركة وطرفاً أصيلاً فيها ومعنياً رئيسياً بحماية أمواله، وما مجلس إدارة الشركة إلا وكيلاً عنه وفقاً لما نص عليه قانون الشركات.

وأكد أن مصلحة المساهم تقتضي إدراكه سبل حماية أمواله، ومعرفة حقوقه وسعيه لممارستها غير منقوصة، كما أشار إلى أن المساهم يمثل المكون الرئيسي في الجمعية العامة للشركة، وثمة حقوق عديدة له تمنحه حق الرقابة الفاعلة على أداء الشركة، ومساءلة مجلس إدارتها تتنوع بين حقوق الحضور والتصويت على القرارات، وحقه في الدعوة لعقد اجتماع الجمعية في حالات محددة.

وأفاد الملحم بأن ثمة فرصة استثمارية ضائعة ربما بفعل قرار الإيقاف، إلا أن مسؤوليتها تتوزع بين جهاتٍ عدة، ولايمكن تجاهل مسؤولية إدارة الشركة والمساهم عن الجانب الأعظم منها بكل تأكيد.

إجراءات عادلة وأبواب مشرعة!

في ختام حديثه شدد الملحم على أن قرار إيقاف أسهم الشركات عن التداول لتجاوزات محددة لايمكن اعتباره ظاهرة محلية، بل هو إجراء رقابي متبع لدى مختلف الجهات المثيلة في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء. مشيراً إلى إجراءات مماثلة في الأسواق الخليجية والعالمية، لافتا إلى إيقاف أسهم خمس عشرة شركة دفعة واحدة على سبيل المثال من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية خلال شهر أبريل الماضي لمخالفات تتعلق بتداولات مشكوك فيها ونشاط ربما كان مفتعلاً بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي كما ورد في بيان الهيئة المذكورة.

كما أكد الملحم أن أيدي الهيئة ممدودة وأبوابها مشرعة للتعاون مع الجميع، وأن جهود التواصل والتنسيق مستمرة على الدوام مع الشركات التي يتم إيقاف أسهمها لتصويب المخالفات المرتكبة وتجاوز الملاحظات المرصودة.

● محمد الإتربي