تحمل الانتخابات الألمانية العامة دلائل كبرى تتجاوز انتهاء عهد أنجيلا ميركل، فقد ينتج هذا الاستحقاق في نهاية المطاف ائتلافاً حكومياً وسطياً آخر على الأرجح، لكن لا يمكن اعتبار الوضع استمرارية للعهد السابق بكل بساطة، إذ من المتوقع أن تتخذ الحكومة الجديدة بضع خطوات نحو المجهول. تتعدد الدروس المرتقبة والعواقب السياسية الدائمة في ألمانيا أولاً، وفي القارة الأوروبية ككل، حيث تبقى بريطانيا جزءاً منها مهما حصل.

رغم غياب ميركل عن الساحة، لا تزال ألمانيا أهم قوة اقتصادية في أوروبا واللاعبة الأساسية إقليمياً، ولن يتغير هذا الوضع في جميع الأحوال، لكن بما أن أي حزب لم يتجاوز عتبة 26% من الأصوات بعد سباق يوم الأحد قبل الماضي، فتح الناخبون الألمان المجال أمام نظام سياسي جديد وأكثر انقساماً، فهم يواجهون للمرة الأولى خيار إنشاء ائتلاف حكومي مؤلف من ثلاثة أحزاب بدل حزبَين كما جرت العادة، ومن المتوقع أن يقود أولاف شولتس من "الحزب الاشتراكي الديموقراطي" الحكومة الجديدة، لكنّ الحزبَين اللذين سيتكل عليهما (حزب الخضر والحزب الديموقراطي الحر) سيُصعّبان عقد الصفقات، فعلى المدى القصير، قد يشير هذا الوضع إلى استمرار الشلل لأسابيع في برلين، تزامناً مع استلام ألمانيا رئاسة مجموعة الدول الصناعية السبع. بصورة عامة، قد تُشكك هذه الظروف بدور ألمانيا المألوف في عهد ميركل كأهم داعمة للاستقرار وإصدار الأحكام في الاتحاد الأوروبي، وقد تجد فرنسا من جهتها فرصة لترسيخ نفسها كزعيمة أوروبا.

Ad

إذا أصبح شولتس مستشار ألمانيا، فسينضم على الأرجح إلى رؤساء الحكومات اليسارية الوسطية في السويد، والدنمارك، وفنلندا، وإسبانيا، والبرتغال، وربما فرنسا أو النروج قريباً، ويثبت سجله الشخصي كزعيم "الحزب الاشتراكي الديموقراطي" ورئيس ناجح عموماً لبلدية "هامبورغ" أنه قد لا يكون مجرّد مسؤول يضمن استمرارية عهد ميركل.

لكنّ الفوز بأكثر من ربع الأصوات بقليل يُفترض ألا يُعتبر انتصاراً لأحد، بل إنه نتيجة مباشرة لاستمرار تشتّت الدعم الانتخابي وضعف طبيعة الهوية السياسية التي تطبع عدداً كبيراً من الديموقراطيات بعد العصر الصناعي، لا سيما في ظل تطبيق أنظمة التصويت النسبية، لكنّ نظام الأغلبية البسيطة في بريطانيا لا يخفي تراجع قوة الهوية السياسية هناك أيضاً، فقد واجه كير ستارمر من "حزب العمال" البريطاني مشكلة مشابهة قبل أيام.

على مستويات عدة، يتعلق أبرز جانب من نتائج الانتخابات الألمانية بتلاشي نفوذ التحالف الديموقراطي المسيحي، وحصد حزب ميركل أدنى نسبة أصوات على الإطلاق واقتصرت حصته على 24%. لقد خسر هذا المعسكر دعم الناخبين في جميع مناطق ألمانيا، ومن الواضح أن "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" وحليفه البافاري، "الاتحاد الاجتماعي المسيحي"، صُدِما بالنتائج.

بما أن تحالف "الاتحاد الديموقراطي المسيحي" و"الاتحاد الاجتماعي المسيحي" هيمن على السياسة الألمانية بعد حقبة الحرب، ثم ترسّخ غداة إعادة توحيد البلد في عهد هلموت كول في عام 1990، يُعتبر هذا الرفض المستجد لافتاً، لكنه يعكس في الوقت نفسه وضع أحزاب يمينية وسطية تبدو محصّنة في أماكن أخرى من أوروبا، مثل الحركة الديغولية في فرنسا والديموقراطيين المسيحيين في إيطاليا.

لكن يجب ألا يسيء أحد فهم خصائص انهيار التحالف الديموقراطي المسيحي، فمن الشائع اليوم أن يُقال إن تراجع الأحزاب الوسطية في معسكرَي اليمين واليسار ينجم عن إخفاقات سياسية مشتركة أدت إلى صعود اليمين المتطرف الأصلي، لكنّ هذه النظرية لم تتحقق في ألمانيا بأي شكل.

بدل أن تتحسن نتائج حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني تزامناً مع تراجع التحالف الديموقراطي المسيحي، انخفضت أرقامه بنسبة 2.3%، وسجّل "حزب اليسار" نتائج أسوأ منه، فخسر نصف أصواته ومقاعده تقريباً وأصبح هامشياً أكثر من أي وقت مضى، وفي المقابل، انتقل ناخبو اليمين الوسطي المصابون بخيبة أمل كبرى إلى دعم المعسكر الوسطي، أي "الحزب الاشتراكي الديموقراطي" وحزب "الخضر" و"الحزب الديمقراطي الحر"، بدل تأييد أصحاب التوجهات المتطرفة.

في المحصلة، يبدو أن الناخبين الألمان يبحثون عن حلول وسطية تقدمية وفاعلة أكثر من تلك التي يطرحها خلفاء ميركل، فهذه النزعة ليست غريبة أو غير منطقية، ولا تتبناها ألمانيا وحدها.

تعجّ أوروبا اليوم بدولٍ فيها أغلبيات كامنة أو فعلية وتتراجع هناك النزعة التقدمية المُهَيْمِنة مقارنةً بتلك التي حاولت الأحزاب الشائعة في الحقبة الصناعية الماضية دعمها، فقد كان غوردون براون محقاً هذا الشهر حين قال إن بريطانيا واحدة من تلك الدول، وإذا أثبت شولتس أنه النحات السياسي البارع الذي يستطيع إعادة إحياء الأغلبية الناشئة من داخل الكتل الانتخابية في بلده، فسيكتشف سريعاً أن عدداً كبيراً من المسؤولين الآخرين يتوقون إلى تقليده.

* مارتن كيتل

The Guardian