ثلاث سنوات عجاف، أصبحنا كمن يتقي الرمضاء بالنار، لا حول ولا قوة، فالحزن عليك عميق، وفراغك أعمق، فقد شمل الذين أورثتهم حقيقة روحك وكلماتك الباقات.

بالأمس كنت أقلّب صفحات شعرك، وحاولت أن أستعيد أيامك الأولى بالسبيليات، والتي كانت بدايات كتاباتك الشعرية، حيث كانت البصرة بلد الشعراء والنهضة، فالسياب شمرة عصا عن السبيليات، وسعدي يوسف أقرب من ذلك، ومحمود البريكان كان الشاعر الصديق، كما فاضت جلساتك بمجموعة كبيرة من الشعراء، ومنهم محمد درنفيس، وعبدالجبار، وطه ياسين، ومصفى عبدالله، وغيرهم، ولكن مسارك اتسق مع القصة القصيرة آنذاك، ثم اتسعت لتحتل الرواية مساحات كتاباتك.

Ad

ويوم تتحدث عن الشعر فتقول أنا (لست بشاعر) عدت أقلّب بأوراق حملت قصائد شعرية كتبت بذاك القلم الرصاص، ولحظتها أنت وقد شعرت بالغربة فقلت:

اغراب/ متاهة وكلنا أغراب/ سراب وعزت الأصحاب/ في زحمة سؤال معبأ بحيرة/ وين؟! ومتى؟! وليش؟! وأمل حتى الأمل جذاب.

وعندما تحتدم المشاعر، وتختلط أخبار الناس البعاد، والذين لم تبتعد عنهم أنت هم وهم أنت، والتبس عليك الحزن فناديتهم كي يتوقفوا وخاطبتهم بتلك الكلمات التي حملت الشجن والحسرة على مدن الأهل والأحبة وبلغة تمطر حزناً، ولهجة طابت معها الكلمات.

قفا نبك من ذكرى حبيب وبيت وناس بعاد

نخل وبلاد

زمناً ضاع بالحسرة ولما طارش ولا بعاد

صبر ما عاد

صبر ما عاد بالمرة قفا نبك من ذكرى

نخل بغداد والبصرة

ومما كتب الأستاذ إسماعيل في مسيرته الأدبية هو تلك النصوص التي تسمى بالزهيريات، وكما يقال إنها زهرة الكلام، وهي من الشعر النبطي، ونشأت كما تدل عليه الروايات في مدينة البصرة- الزبير، فما كان من الأستاذ إسماعيل إلا قد سلك هذا الدرب، وقدم لنا هذه الحوارية الجميلة.

دنياي أنت وأنا ديني إذا دونك/ بُعدك عليّ دهر ما أقدر بدونك/ أنت انتصار العمر واللي بقى دونك/ تدرين وحدك أنا وحبك هو داري/ داري أحبك أبد يامنيتي داري/ عمر المحبة تعب ولحبنا نداري/ وإن دار دهرك غدر روحي أنا دونك

سراب وكذب

اللي يحب بأمل يصبر على الوحدة/ وإن طال عهد الصبر ما يقدر الوحدة/ ما عاد فيني صبر صبري وصل حدّة/ بعدك أمانة وعد عفّه ووفي بعدك/ قبلك سراب وكذب والحال من بعدك/ وحدي أواجه دهر حاجز إذا بعدي/ حدّي احبك عمر وعمري هو وحدة

ظل الأستاذ إسماعيل يطرق باب الشعر كلما لاحت له فرصة، أو اتسعت جلسة للأصحاب، كما أنه سجل في سجله الأدبي ديواناً متكاملاً، إلا أنه رفض طباعته، وقد أشرف على كتابته أحد زملائه في وزارة التربية من الجنسية المصرية (عبدالحميد سالم، فنان تشكيلي وزميله بالنشاط المدرسي)، ثم وضع رسومات مائية لكل قصيدة. وقد أخذه منه آنذاك الدكتور يعقوب الغنيم، إذ كان وكيلاً لوزارة التربية، وظل محتفظاً به حتى عام 2016، إذ أعاده إلى الأستاذ إسماعيل، ولكن إسماعيل وجد أن الديوان قد عافه الزمن.

لكن الأستاذ إسماعيل كتب قصيدة، بعد أن اقترح عليه الفنان العراقي كوكب حمزة لكتابة مقدمة لمسلسل (وجه واحد لا يكفي) للأستاذة فاطمة حسين، والأستاذ إسماعيل وقتها يشرف على مؤسسة سيدان الفنية برفقة الفنان سليمان الياسين، رحمهما الله.

حاول الفنان كوكب حمزة بإلحاح شديد كي يكتب إسماعيل هذا النص، والذي جاء كمناجات للصحبة ووشائج الصداقة والمحبة.

سهر كوكب ليالي كي يعطي للكلمات حقها، ولإسماعيل مكانته المرموقة. وعند اكتمال اللحن تم اختيار الفنان عبدالله الرويشد كي يغنيه، وكانت أغنية لثلاثي من طبقة الكبار.

يا صاحبي خلني... يا صاحبي خلنا/ أدريك شايل تعب... أدربك حاير بنا/ ما دار دهرك سنع... ولا هو بدهري أنا/ الفرح ياقصر الفرح... والحزن يومه بسنه/ وتقول ياليتني/ يا صاحبي خلني/ معروف يا صاحبي... إن الحياة وجوه/ وانا اللي برجو المنى... لابدّ ما ترجوه

عاشر رفيج وفي... بالك تساوم فيه/ العشرة اخذ وعطا... بمحبتك وفّيه

خليك من قوله أبي/ انت تبي وكلٍّ يبي/ معذور يا صاحبي

وهنا لابد أن أنوه أني وجدت معظم شعر الأستاذ إسماعيل باللهجة العامية، وأعتقد أنه أراد أن يستخدمها فلم يجد غير الشعر، فأثمر قصائد متعددة، لكنه سلك درب الشعر الفصيح ومنه ديوانه، الذي سبق أن نوهت عنه، وكان باللغة العربية الفصحى، والذي كتبه في بداية وصوله إلى الكويت أي عام ٦٦-٦٨.

إسماعيل أيها المهضوم حقك ها نحن نعيش ذكرى ثالثة على رحيلك، ولم أجد من يعطيني سبباً أن يركن اسمك على أمل تخليدك باسم مدرسة أو مكتبة، لا لشيء، إنما لرد الجميل، أعرف أنك خالد بأعمالك.

إسماعيل مازلت معنا.

● محمد جواد