يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"، وبما أن المسلم قد زار المدينة وصلى في مسجدها فمن المستحب أن يقف أمام قبر الرسول ويسلم عليه ويدعو له، ثم يتقدم قليلاً فيسلم على صاحبيه الصديق أبو بكر وعمر الفاروق ويدعو لهما، كما يجوز أيضا زيارة مقبرة البقيع فيسلم على أصحابها ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، فهي زيارة للدعاء لهم لا للتقرب بهم.

فتاريخيا يقال إن هناك أربع محاولات لنبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم:

Ad

المحاولتان الأولى والثانية: قام بهما مدعي الربوبية الحاكم العبيدي، وهو الزنديق منصور بن نزار بن معد المصري الإسماعيلي، بمحاولته نبش قبر الرسول، ونقله إلى مصر ليجعله قبلة للحجيج، كان ذلك في سنة 1010م وما بعدها، إلا أن محاولته الأولى فشلت بعد أن أرسل الله على من أرسلهم ريحا قوية دحرجت الإبل بأقتابها، والخيل بسروجها، فهلك معها كثير من الناس، وأما محاولته الثانية فكشفت عندما دخل الذي أراد نبش القبر من دار قرب المسجد، إلا أن الناس رأوا أنواراً وسمعوا صائحاً يقول إن نبيكم ينبش، ففتش الناس فوجدوهم وقتلوهم.

أما المحاولة الثالثة، وهي الأكثرها غرابة وتفصيلا فكانت في سنة 1162م تقريبا، وكشفها السلطان الملك العادل نورالدين زنكي، فقد رأى في نومه النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو يشير إلى رجلين أشقرين، ويقول له أنجدني أنقذني من هذين، فاستيقظ فزعاً، ثم إنه توضأ وصلى ونام، فرأى الحلم نفسه، فاستيقظ وصلى ونام، فرآه أيضا مرة ثالثة، فاستيقظ وقال: لم يبق لي نوم، ثم إنه خرج من فوره إلى المدينة المنورة وهو كاتم أمره، وما إن وصل حتى اجتمع بأهل المدينة في المسجد ليوزع عليهم الصدقات، وكان السلطان يتأمل كل من حضر، إلا أنه لم ير من كانا في حلمه، فلما انفضت الناس سأل السلطان: هل بقي أحد لم أره؟ فقالوا له: لم يبق إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئا، وهما صالحان غنيان يوزعان الصدقة، ويكثران من الصيام والتعبد ودائمي الزيارة للبقيع، فقال: علي بهما، فما إن رآهما حتى عرفهما من فوره، فقال لهما: من أين أنتما؟ فادعيا أنهما حاجين من المغرب، فلم يصدقهما، فقام يطوف في بيتهما الملاصق للحجرة الشريفة، فرأى حصيراً فرفعه فإذا بسرداب ينتهي صوب قبر الرسول.

اعترف الرجلان، بعد ضربهما ضرباً شديداً، بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى، بعد أن أغدقوا عليهما الأموال، وأمروهما بالتحايل لسرقة جسد النبي الطاهر، فكانا يحفران ليلا، ثم يرميان ما تجمع لديهما من التراب بين قبور البقيع، فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت، وحصل رجيف عظيم، حدث ذلك وقت مقدم السلطان صبيحة تلك الليلة، بكى السلطان عندما رأى تأهيل الله له لكشف ذلك دون غيره، وأمر بضرب رقبتي الرجلين، ثم إنه أمر بحفر خندق عظيم حول الحجرة الشريفة كلها، ثم ردمه بالرصاص، حماية لها من الحفر تحتها.

المحاولة الرابعة: عندما تحدثت مجموعة من النصارى عن نيتهم نبش قبر الرسول وجهروا بذلك، فركبوا البحر واتجهوا للمدينة، بعد أن قتلوا جمعا كبيرا من المسلمين، واستولوا على سفنهم، إلا أن الله أرسل إليهم مراكب من مصر تبعوهم وأخذوهم عن آخرهم.

● طلال عبد الكريم العرب