في بداية شهر مايو الماضي، حين كانت الدول الأوروبية تنتظر جواباً من الرئيس الأميركي جو بايدن بشأن التزامه بالجدول الذي اتفق عليه سلفه دونالد ترامب مع حركة «طالبان» للانسحاب من أفغانستان، اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الوضع، واتضح من الملاحظات المرتبطة بذلك اللقاء أنهم ليسوا ممتنين مما يحصل.

ساد إجماع حول ضرورة أن تقدّم «طالبان» ضمانات قوية لإثبات التزامها بوقف إطلاق النار وإيجاد حل سياسي قبل تنفيذ الانسحاب، وحذر المشاركون من عواقب أي انسحاب متسرع وتأثيرها على أوروبا أكثر من الولايات المتحدة، مما يطرح «تهديداً مباشراً على مصالح أوروبا الأمنية الأساسية» و«يطلق موجة من الهجرة الجماعية نحو أوروبا».

Ad

لكن رغم هذه الشكوك، شعر الأوروبيون بعجز كامل أمام هذا الوضع، في حين عبّر السياسيون البريطانيون في أوساطهم الخاصة عن مخاوف تشبه شكوك نظرائهم الأوروبيين، مع أنهم خسروا مقعدهم في مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بعد خطة «بريكست»، لكنهم كانوا عاجزين عن التحرك أيضاً.

نتيجةً لذلك، لم تتخذ بروكسل ولندن أي قرار رداً على هذه المخاوف الخطيرة، بل انتظروا بكل بساطة تعليمات الرئيس بايدن حول ما يجب أن يفعلوه جميعاً. يشكّل هذا الموقف أفضل تجسيد لاذع وكارثي لمشكلة حلف الناتو الأساسية.

سبق وتعرّض أعضاء حلف الناتو الأوروبيون لإهانة أخرى في الماضي، أثناء تفكك يوغوسلافيا خلال التسعينيات، لكن الفرق يكمن في فوز الناتو بتلك الحروب في نهاية المطاف، رغم الإخفاقات الأوروبية الأولية، حين كانت الولايات المتحدة تهبّ لإنقاذ الحلف.

نتيجةً لذلك، دائماً اعتُبِر الناتو محمية عسكرية أميركية في أنحاء أوروبا. لكن يطرح الفشل في أفغانستان تحدياً أكبر بكثير لأن الحلف لم ينشط هناك كتحالف أو محمية. بل خسرت الولايات المتحدة هذه الحرب وجرّت أعضاء الناتو معها نحو الهزيمة.

إلا أن مواقف السياسيين ومسؤولي الدفاع الأسبوع الماضي من شأنها أن تُصعّب الدفاع عن حلف الناتو بصيغته الراهنة.

وأعلن وزير الدفاع البريطاني بن والاس يوم الجمعة الماضي أنه حذر خلال قمة الناتو في شهر يونيو من عواقب خطة انسحاب الحلف بقرارٍ من الولايات المتحدة، معتبراً أن المجتمع الدولي كله سيدفع على الأرجح ثمن ما يحصل، في حين ادعى السياسيون الإيطاليون أيضاً أنهم رفضوا خطة الانسحاب.

لكن إذا كانت دول أوروبية كثيرة تعارض خطة الانسحاب من أفغانستان، فما الذي دفعها إلى تنفيذ هذا القرار؟ يبدو أن الأوروبيين ما كانوا لينجحوا في إتمام ولو مهمة صغيرة في أفغانستان من دون الأميركيين، لكن إذا كان الوضع كذلك، يسهل أن نستنتج أن تصنيف الناتو كتحالف عسكري هو مجرّد وهم بعيد عن الواقع.

إنه تحالف تقوده الولايات المتحدة، وهو يعجز عن التحرك بأي طريقة من الطرق من دون الأميركيين. لهذا السبب لا تستطيع الدول الأوروبية أن تتدخل، بل إنها تبقى عاجزة بالكامل في الشؤون الأمنية.

ربما نجح هذا النظام على أكمل وجه بالنسبة إلى أوروبا خلال العقود الأخيرة، إذ يستطيع الأوروبيون بفضله أن ينفقوا أموالاً أقل على الدفاع ويتكلوا على الولايات المتحدة لحمايتهم إذا واجهوا أي تهديدات من الشرق وينقلوا أعباءهم الدفاعية إلى دافعي الضرائب الأميركيين.

لكن بعد أربع سنوات من التحركات الغريبة على نحو مرعب من جانب الرئيس الأميركي، وبعد إثبات تجاهل واشنطن الكامل لآراء الأوروبيين رغم ادعاء بايدن المرتبط بعودة الولايات المتحدة إلى الساحة، كيف يُعقَل أن يستمر هذا النظام؟

يُعتبر هذا الموضوع جزءاً من المحرمات في معظم أنحاء القارة الأوروبية، لاسيما في ألمانيا والمملكة المتحدة وشرق أوروبا، لكن يُفترض أن تُجبِر الصور الصادمة التي انتشرت في الأسبوع الماضي السياسيين في تلك الدول على إجراء حوار صادق حول حلف الناتو.

ويجب أن تنتهي المواقف التلقائية الرافضة لكلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين اعتبر الحلف في حالة من «الموت الدماغي». لا داعي كي ينتهي أي نقاش صادق حول الناتو بانهيار هذه المنظمة. وإذا انهار الحلف فعلاً، يعني ذلك أنه لم يكن قوياً ومحصّناً بما يكفي.

تتعدد الخيارات، التي تسمح بتحويل الناتو إلى كيان يعمل لمصلحة الأميركيين والأوروبيين على حد سواء. يقضي أحد الخيارات مثلاً بتحويله إلى تحالف عسكري أوروبي محض، من دون انتساب الولايات المتحدة أو كندا أو تركيا إليه.

ويقضي خيار آخر بإنشاء كتلة عسكرية موحدة داخل الحلف، فتتألف من دول الاتحاد الأوروبي أو من هذه الدول إلى جانب بريطانيا للتصدي للهيمنة الأميركية.

أما الخيار الأكثر تطرفاً، فيقضي بتفكيك المنظمة بالكامل. قد لا يكون هذا التوجه محبذاً لأنه يعني إهدار عقود من العمل المضني الذي أنتج أقوى تحالف عسكري في العالم.

لكنّ حدود عمل الناتو القوي ظاهرياً والهش في جوهره اتّضحت أمام أنظار العالم في الأسبوع الماضي.

إذا أصرّ الأوروبيون على دفن رؤوسهم في الرمال وتجاهل مشاكل الحلف الأساسية، فسيفوت الأوان على التحرك حين يضطرون لمواجهة أصعب الاختبارات.

لهذا السبب، يجب أن تبدي الأطراف التي تقدّر قيمة الناتو استعدادها لتغيير طبيعة الحلف بالكامل. قد تكون هذه الطريقة الحل الوحيد لإنقاذه!

● ديف كيتينغ - إنترناشيونال بوليتك كوارتيرلي