دائماً ما أستذكر عبارة سمعتها في أحد المؤتمرات التي شاركت فيها مفادها أن انتشار الفساد في الدول الصغيرة صعب، والأصعب منه الإصلاح! فحقيقة الأمر أن الروابط الاجتماعية والمعرفة الشخصية بين مكونات المجتمعات الصغيرة تصعّب من فرص تورط المرء في ما قد يسيئ إلى سمعته، فالجميع يخشى على نفسه وعلى أسرته وعلى عائلته الكبيرة من مغبة أي سقطة لا رجعة فيها.

وفي المقابل بمجرد ما تسقط حبة من سبحة الحياء الاجتماعي، ينفرط عقدها فيتدحرج إلى الهاوية خلف الحبة «الساقطة» كل من كتم رغبته- خشية- في قبول رشوة من هنا أو طلب منفعة من هناك. وبالتالي فإن الإصلاح يصبح أكثر تعقيداً في ظل عموم الفساد و»التضمان المجتمعي» الذي ينحرف في هذه الحالة عن مساره المنطقي والسليم.

Ad

العلاقة بين القيم الاجتماعية والوعي الوقائي بظاهرة الفساد وأساليب مكافحته مهمة للغاية، بل هي ضرورة حتمية للإصلاح. فما من رشوة إلا قوامها مرتش وراش، وما من فساد حكومي دون فاسد يتعامل معه ويستفيد منه، وما من دولة فاسدة من غير مجتمع مشارك فيه ومتورط في تغطيته ومستسلم لهيمنته وقوي على الضعيف فيه.

من الخطأ الاعتقاد أن الرقابة المشددة وحدها هي الحل السحري لمكافحة الفساد، ويدخل في خانة التمني أن الحزم والجزم في إصدار وتطبيق القوانين الصارمة هما الرادع المنجي. فرغم الأهمية القصوى لما سبق يبقى الفاسدون أكثر دهاء وخبرة وقدرة على تخطي أي نوع من أنواع الرقابة وربما المساءلة، لا بل إن تشديد الرقابة وتعدد طبقاتها قد يعرقلان مهام الإصلاح ويصعّبان جهود التنمية، كما أن شبكة الفساد قد تشمل المسؤولين عن تطبيق القانون، مما يفتح المجال أمام تفشي الفساد على غاربه. وعليه فإن الجهود الإدارية والنصوص القانونية لا يمكن أن تحقق أهدافها الإصلاحية من غير تعزيز منظومة القيم المجتمعية والدينية.

قد يستخف البعض بأهمية القيم الأخلاقية في زماننا، ولكن التاريخ والواقع يثبتان أن ثمار التطور الفكري والتقدم التكنولوجي وجهود الإصلاح تبقى فجة ومن غير مذاق إذا لم تعزز بجرعة مغذيات مجتمعية تتشارك فيها المبادئ الدينية والصدق والأمانة والعدل والحياء والوطنية.

ومن هنا يبرز دور «راعي» الديوانية في مجلسه، وكبير القوم بين «ربعه»، ويتجلى دور الخطيب في مسجده، والمدرّس في صفّه، وولي الأمر في بيته وبين أسرته، وهنا تتجلى مسؤولية كل فرد منّا تطبيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول».

فعندما تعم «ثقافة» الفساد لا أحد يستطيع توقيفها، وعندما يستسهل المجتمع أسلوب التبرير فلن يحصد إلا ما زرعه. فإن برر المضطر لنفسه تورطه في رشوة المعرقل، فإن التهرب الجمركي والتنصل الضريبي والالتفاف على القوانين النافذة والتغاضي عن الواجبات الوظيفية والوطنية، ومجاملة الأسرة والشلة والمعارف على حساب المصلحة العامة، كلها مسؤوليات فردية، لا تتطلب وجود شريك مقابل، ولا يمنعها أو يحد من تفشيها إلا منظومة القيم الأخلاقية والدينية.

*كاتب ومستشار قانوني

● د. بلال عقل الصنديد