لعله لم تحظَ اتفاقية دولية بالاهتمام الذي تحظى به، منذ عقد، اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951، في الوقت الذي يتم الاحتفال هذا العام بمرور سبعة عقود على اعتمادها، وقد دخلت حيّز النفاذ عام 1954.

وجدير بالذكر، أن اتفاقية جنيف تم اعتمادها بعد الحرب العالمية الثانية، لمعالجة بداية قضايا النازحين واللاجئين في القارة الأوروبية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن التطورات المتلاحقة فيما يتعلق باللجوء وحقوق اللاجئين دفعت المجتمع الدولي لاعتماد بروتوكول عام 1967 المضاف إلى هذه الاتفاقية، مما سمح بالتوسع في مجال تطبيقها وعدم حصره بالقارة الأوروبية. وأعطى هذا البروتوكول بُعداً عالمياً لاتفاقية جنيف، ولم تعد مقتصرة على الأحداث التي وقعت قبل الأول من كانون الثاني / يناير 1951.

Ad

ولعله من المفيد أن نذكر أن اتفاقية جنيف ليست اتفاقية تتعلق باللجوء، ولا بالحق في اللجوء، لكن باللاجئين، ولم ينجح المجتمع الدولي باعتماد اتفاقية تتعلق باللجوء الإقليمي، حيث أخفقت الأمم المتحدة باعتماد مثل هذه الاتفاقية عام 1977.

ويبلغ عدد الدول العربية التي صادقت على هذه الاتفاقية وعلى البروتوكول المضاف إليه ثماني دول عربية، هي: تونس، الجزائر، جيبوتي، السودان، الصومال، مصر، المغرب وموريتانيا. في الوقت الذي وصل عدد الدول التي صادقت على الاتفاقية 146 دولة، والدول التي صادقت على البروتوكول 147 دولة من بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعددها 193 دولة.

وتبقى هناك ثغرة كبيرة في اتفاقية جنيف وبروتوكولها، وهي غياب آلية تسهر على حُسن تنفيذ الدول الأطراف فيها لموادها وأحكامها. فلا يوجد هيئة، أو لجنة تضم مثلاً خبراء مستقلين يتابعون ما تقوم به الدول الأطراف، ويقيمون الإجراءات التي تتخذها لتحقيق ما تسعى إليه الاتفاقية والبروتوكول من حماية للاجئين. ويبقى المطلوب من الدول الأطراف، ووفق ما جاء في الاتفاقية، التعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بجنيف فيما يتعلق بتطبيق أحكامها، وهذا أقل ما يمكن أن نطلبه من هذه الدول!

أما بخصوص عدد اللاجئين في العالم، وفق إحصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بجنيف، فيبلغ 26.4 مليون لاجئ، نحو نصفهم دون الثامنة عشرة من العُمر، في الوقت الذي تقدر المفوضية اضطرار أكثر من 82.4 مليون شخص حول العالم للفرار من ديارهم.

واللاجئ، حسب الفقرة 2 من المادة الأولى من اتفاقية عام 1951، هو: "كل شخص يوجد، بنتيجة أحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني/يناير 1951، وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد، أو كل شخص لا يملك جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق بنتيجة مثل تلك الأحداث ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يعود إلى ذلك البلد.

فإذا كان الشخص يحمل أكثر من جنسية، تعني عبارة (بلد جنسيته) كلا من البلدان التي يحمل جنسيتها. ولا يعتبر محروما من حماية بلد جنسيته إذا كان، دون أي سبب مقبول، يستند إلى خوف له ما يبرره، لم يطلب الاستظلال بحماية واحد من البلدان التي يحمل جنسيتها".

ويجب أن نشير إلى وجود اتفاقية عربية لتنظيم أوضاع اللاجئين تم اعتمادها عام 1994، وتعمل جامعة الدول العربية، وفق بعض المعلومات، على تحديث هذه الاتفاقية العربية. فمن الضروري جدا القيام بهذا التحديث، في ظل ما تشهده عدد من الدول العربية من حالات الهجرة واللجوء، في الوقت الذي يجب أن تواكب التشريعات الوطنية في الدول العربية تطورات كل ما يتعلق بأوضاع طالبي اللجوء، واللاجئين، ومختلف حقوقهم، وأوضاعهم الإنسانية. يُضاف إلى ذلك ما يسعى إليه المجتمع الدولي ومختلف دوله لتحقيقه إزاء الوضع الإنساني والاجتماعي والحقوقي للاجئين، والذي يتدهور بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم على مدار عدة عقود، وتزداد وطأة هذه الأحداث وصعوبتها في تطور الأحداث السياسية والإنسانية، وما نشاهده ونتابعه ونقرأ عنه في هذه الأيام بخصوص آخر التطورات في أفغانستان إلا دليل واضح على أوضاع مأساوية وصعبة ومحزنة يعيشها سكان عدة بلدان تدفع بأعداد كبيرة منهم، وخاصة الشباب والنساء، للبحث عن بلدان لجوء واستقرار وحماية أيضا.

تُظهر الأحداث التي تتلاحق، وعلى تنوعها: حروب، ونزاعات مسلحة، وكوارث طبيعية، وأوبئة وأمراض صحية، وتبدلات مناخية... الخ، أن المجتمع الدولي، بمختلف منظماته الدولية والإقليمية، ورغم الترسانة الضخمة من الوثائق المتعلقة بحماية كل إنسان وبغض النظر عن أي تمييز، والتي تم اعتمادها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكذلك قيام هيئات دولية متنوعة ومتعددة المهام بالسهر على حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، نقول إنه رغم وجود هذه الترسانة، فلا نزال نشعر بقصور العمل الدولي، وتأخره عن مواكبة هذه الأحداث وإيجاد آليات تخفف من آثارها السلبية على الإنسان ومجتمعه وبيئته. هذا إذا لم نكن نطمع أن يكون المجتمع الدولي قد استبق، ولو بشكل نظري، مثل هذه الأحداث، واعتمد ما يساعد على مواجهتها. فليس من المعقول أيضا ولا المقبول ألا يكون قد تم اعتماد إلا اتفاقية واحدة منذ سبعين عاما، وأضيف إليها بروتوكول واحد، مضى عليه العشرات من السنوات، لمعالجة أوضاع اللاجئين وحمايتهم!

* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا

● أ. د. محمد أمين الميداني