على الرغم من أن ديوان الخدمة المدنية أعلن تخصصات واضحة يحتاجها سوق العمل وأخرى لا مكان لها فيه، فإن الدولة لم تقم بالدور الأساسي بتعديل التخصصات ومخرجات التعليم بما يواكب معادلة «المخرجات والتخصصات والسوق»، فالرواتب تشكل اليوم ضغطاً على الميزانية العامة للدولة، مع ذلك لا تقوم الحكومة بأهم مسؤولياتها تجاه المواطن واقتصاد الكويت من خلال توجيه الكليات لتخصصات متناسبة مع سوق العمل.

فتخصصات مثل آداب العربي والإنكليزي وكلية الشريعة وحتى العلوم الاجتماعية والآداب لا مكان لها في القطاع الخاص ولا العام، فمن الأفضل إعادة النظر بعدد القبول وتقليل هذه التخصصات حتى يتسنى الاهتمام بتخصصات أهم وأفضل للكويت.

Ad

على مر التاريخ، يعتبر سوق العمل مصدراً دائماً للخلافات والنزاعات الاجتماعية والسياسية، فمشكلاته كثيرة، مثل غياب المساواة بين المرأة والرجل، وهناك مشكلة مهمة تعزز تلك المشكلات، وهي عدم تركيز الحكومة على التطورات العالمية في سوق العمل، وتكرار ما يحصل في كل سنة سيخلق كارثة مستقبلية في الكويت، الحياة تغيرت كثيراً والعولمة غيرت احتياجات سوق العمل، وغيرت حتى هيكل الوظائف فيه.

فالعالم متجه إلى وظائف جديدة ستتصدر سوق العمل في مجالات عدة وأفضلها سيكون في مجال البيانات وإنشاء المحتوى والتسويق والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وكل ما يتعلق في التكنولوجيا.

احتياجات السوق الكويتي

غيرت أزمة كورونا احتياجات سوق العمل بطريقة سريعة جداً عن التطور المتسلسل لها، وأظهرت أن الكويت بحاجة ماسة للتخصصات الطبية كالتمريض والصيدلة والطب البشري بكل مجالاته، وهذا ما يجب التركيز عليه حالياً، وطرح برامج جديدة غير متوفرة في جامعة الكويت وتكثيف التخصصات الموجودة "المطلوبة" بنسب قليلة، فالأزمة عرت مشكلة تطرق لها الكثير من المختصين سابقاً.

إذ قامت جامعة الكويت بدراسة "التطور الكمي المتوقع لحملة البكالوريوس بين احتياج السوق ومخرجات جامعة الكويت" للسنوات 2012 – 2016، وأكدت الدراسة نسبة المتوقع تخرجهم إلى احتياج السوق من الطب خلال السنوات الخمس (2012 – 2016) تصل إلى 28 في المئة فكان عدد المتوقع تخرجهم 482 وعدد احتياج السوق 1731.

التكنولوجيا الطبية لا تقل أهمية عن الطب نفسه، فالأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي وغيرهما جعلت كلها من العالم الطبي عالماً متطوراً ومفيداً بدرجة أسرع عن ذي قبل، ووفقاً لديوان الخدمة المدنية، فإن سوق العمل بحاجة لتخصصات الطب التكنولوجية في المجالات التالية: (التمرين، والصيدلة، وطب وجراحة، وعلوم طبية مساعدة، وطب بشري، وجراحة أسنان، وعلاج طبيعي، ومختبرات طبية، وأشعة، ونطق وسمع، وطب بيطري ).

علم النفس تخصص مهم في الفترة المقبلة، والحالة النفسية تواجه أمراضاً نفسية مثلها مثل غيرها من الأمراض البدنية، وتبين خلال الأزمة وما حدث من جرائم ومشاكل كثيرة أن الكويت بحاجة ملحة للالتفات لهذا التخصص وإنشاء مستشفى متخصص ومتطور في الطب النفسي، فالمشكلات الصحية طالت المجتمع بأغلب فئاته، والإجراءات الحكومية "الصحية" الأخيرة شملت الأطفال مثلما عصفت بالكبار، كما أن ديوان الخدمة المدنية صنف تخصص علم النفس من التخصصات التي يحتاجها سوق العمل مستقبلاً.

الأمن السيبراني

تطورات كثيرة حدثت في العالم وربما هذه التطورات لا تضاهي ابتكار أول جهاز كمبيوتر شخصي في منتصف السبعينيات، ثم الإنترنت في التسعينيات، فهذا الجهاز غيّر شكل العالم ومهد الطريق للتحول إلى عولمة التجارة والعلاقات الشخصية، التكنولوجيا الرقمية تخزن وتبث البيانات المبنية على القاعدة الثنائية لتشفير البيانات، جميع الجهات الحكومية والهيئات والقطاع الخاص كالبنوك وغيرها تملك أنظمة وقاعدة بيانات، من هنا تأتي أهمية تخصص (الأمن السيبراني) فهو تخصص يحمي الأنظمة والشبكات والمعلومات الحساسة والسرية من الهجمات الرقمية التي تسعى لتدميرها أو سرقتها لأغراض خبيئة، الدولة المتقدمة أعطت أهمية وقامت بإنشاء جامعات مختصة بهذا المجال ومع الأسف الكويت لا تملك جامعة أو كلية أو حتى تخصص مختص في الأمن السيبراني.

تخصصات لا حاجة لها

نسبة إلى تقرير "مستقبل الوظائف 2020" لمنتدى الاقتصاد العالمي، بحلول عام 2025 يتوقع اندثار 85 مليون وظيفة حالية، وبالمقابل يتوقع ظهور 97 مليون وظيفة، 85 مليون وظيفة عدد لا يستهان به، ومن المتوقع أن يقل عدد المحامين في المستقبل، وعدد المهندسين المعماريين حيث ستكون هناك برامج تكنولوجية تقوم بالتصميم بدل البشر، الكويت أصبحت مكتظة بالمحامين ولا مجال لتحمل الأعداد القادمة لسوق العمل، كلية الحقوق واحدة من الكليات التي يجب على الحكومة الكويتية تقنين القبول فيها ولو مؤقتاً.

وحدد ديوان الخدمة المدنية بعض التخصصات التي لا يوجد لها احتياج في سوق العمل الحالي كالإعلام إلا أن ذلك غير صحيح، فالإعلام يؤدي دوراً مهماً في العالم، التطور التكنولوجيا أثر على العمل الإعلامي بشكل ملحوظ وأصبح العالم بحاجة لإعلاميين وصحافيين بمنزلة باحثين ومحققين، فهم واجهة الأخبار والتغييرات في العالم.

أضف إلى ذلك أن الإعلام العالمي الجديد هو «مواقع التواصل الاجتماعي كتويتر والفيسبوك وغوغل ومايكروسوفت» الذي يملك قوة يفرض من خلالها أنظمته على أغلب العالم، الناس اليوم ليسوا مجرد متلقين سلبيين للمنتج الإعلامي إنما هم مشاركون فاعلون في عملية إنتاجه، ومع ذلك لا يمكن الاستغناء عن الصحافة والإعلام التقليدي كالصحف والبرامج التلفزيونية.

أهمية الصناعة

لا يمكن إنكار أهمية الأنشطة الصناعية في التأثير على اقتصادات الدول بشكل إيجابي، والكويت تواجه مشاكل تتعلق بغياب الوعي الصناعي عند متخذي القرارات الاقتصادية في البلد، من المهم الإنتباه إلى المجال الصناعي والسعي إلى التحول الصناعي كخيار استراتيجي لتنويع مصادر الدخل. صحيح أن الكويت تملك مصانع ولدينا صناعات بترولية لكن الدولة لا تبدي اهتماماً حقيقياً بتوطين الوظائف الصناعية، فأولى الخطوات الاهتمام في التخصصات الصناعية وإلقاء الضوء على خريجي كلية الدراسات التكنولوجية، وتحويلها من دبلوم إلى بكالوريوس وتكثيف التخصصات التي لها احتياج كبير في المستقبل.

يعتبر تخصص هندسة كيميائية من أهم التخصصات في العالم ويهتم بتطوير الصناعات البترولية ولأن الكويت دولة نفطية فيفترض أن يكون هذا التخصص من أوليات الحكومة.

دور الحكومة

دور الحكومة اليوم مهم جداً في تحديد احتياجات سوق العمل الكويتي وكيفية التعامل مع التخصصات التي لا تضيف للسوق أي قيمة تذكر للمستقبل، فأفضل طريقة لحل مسألة التوافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل هو إلغاء الكليات التي أصبحت تخرّج عدداً كبيراً لن يقدموا أي قيمة مضافة لسوق العمل ولن يكون لهم مكان.

هناك فائض في تخصص الحقوق والشريعة والآداب، وهنا يتبين لنا مصداقية الحكومة في التغير والتطور، من الملزم لها أن تقوم بدراسة دقيقة لقطاعات سوق العمل بشقيه العام والخاص ووضع استراتيجيات وآليات للوصول إلى الكمال الوظيفي ولتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية في البلد، واستبدال بعض الكليات غير المرغوبة بكليات أكثر أهمية لمستقبل الكويت ككلية للأمن السيبراني.

● حصة المطيري