لا تخرج المؤسسة الثقافية العربية عن أن تكون مؤسسة رسمية أو أهلية. وفي حال كونها مؤسسة رسمية فإن الدولة هي من يصرف عليها ويموّل أنشطتها، بينما إذا كانت أهلية، أياً كانت صيغتها، فإنها مسؤولة بالكامل عن إعالة نفسها وتقديم أنشطتها على حسابها الخاص.

المؤسسة الثقافية الرسمية، في جميع أقطار الوطن العربي، تحظى، في أفضل حالاتها، بما نسبته (%1) من إجمالي ميزانية الدولة، وهذا الواحد في المئة تذهب (%80) منه إلى بند الرواتب والمكافآت للموظفين العاملين فيها، وللمؤسسة تقديم مختلف أنشطتها الفكرية والثقافية والفنية، على مدار عام كامل، بالفُتات المتبقي من تلك الميزانية البائسة، التي في حوزتها. ولذا تعاني المؤسسة الفكرية والثقافية العربية من مأزق قاتل يتمثل في ضعف ميزانياتها، مما ينعكس سلباً على نوع وعدد الأنشطة التي تقدمها، ويجعل المؤسسة في عوزٍ مالي مُذل، ووصلٍ باهتٍ مع المفكر والمبدع وجمهور التلقي، وفي جميع الدول العربية، الغنية والفقيرة!

Ad

هذا الوضع المالي المتدهور يَحيد بالمؤسسة الثقافية عن الهدف الأساسي، الذي أنشئت من أجله، لتنتهي كأي وزارة في الدولة، تستخدم موظفين لتمضية الوقت وأخذ الرواتب، بعيداً عن تقديم أي نشاط مبدع فكري أو ثقافي أو فني! والاكتفاء بأنشطة روتينية هزيلة، من باب ذرّ الرماد في العيون!

وفي المقابل، فإن المؤسسة الثقافية الأهلية، المملوكة لأفراد، سواء كانت دار نشر، أو معهداً لتنظيم فعاليات ثقافية وفنية وورش تدريب، تبقى تجاهد لتحصل على رأس المال، الذي يمكنها بالكاد من البقاء وممارسة أنشطتها، وليس أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما: إما أن تموّل هذا النشاط من جيبها الخاص، وإما أن تسعى للحصول على "رعايات" من جهات محلية ذات صلة بالعمل الثقافي، أو تبرع من إحدى الشخصيات المؤمنة بجدوى العمل الفكري الثقافي وأهميته.

وهذا يعني أن المؤسسة الأهلية، إذا ما كُتب لها العيش، فإنها ستعيش على "الصدَقات"، وإذا كانت هذه الصدقات كفيلة بتمويل وتشغيل نشاط ما لمرة واحدة، فإنها لن تبقى دائماً مستعدة لتمويل الأنشطة الثقافية والفنية. وبالتالي قد تنهض مؤسسة ثقافية أهلية بنشاط ثقافي كبير، مرة أو مرتين، وما تلبث أن تتوقف عاجزة عن إكمال مشوارها! إن كلاً من المؤسستين الرسمية والأهلية تعيشان وضعاً مالياً مزرياً طوال الوقت. وهذا بحد ذاته يشكل سبباً كافياً ينعكس على أدائهما، وعلى حال الثقافة والكاتب والكتاب وجمهور القراءة.

في دول العالم المتقدم، هناك مؤسسات مختصّة تعمل على تقديم الدعم المالي للمشاريع الفكرية والثقافية والفنية، الشخصية منها والجماعية، بعد أن يتمَّ لها دراسة تلك المشاريع والتأكد من جديتها وجِدّتها. كما يمكن للشركات، الكبيرة والصغيرة، دفع جزء من قيمة الضرائب المستحقة عليها، لتكون تبرعات للمؤسسات والمشاريع الفكرية والثقافية. والأمر عينه يتمثل في المسؤولية المجتمعية الملقاة على عاتق الشركات في جميع البلدان العربية، والتي من الممكن أن تشكّل دعماً كبيراً ومهماً لتنشيط العمل الثقافي والفني، وخاصة في المؤسسات الأهلية.

في الكويت على سبيل المثال، حينما تنبري مجموعة من الشباب المتحمس والمؤمن بأهمية الفكر والثقافة والفن، لتأسيس شركة تحت أي اسم، للعمل في النشاط الثقافي والفني، فإن هذه الشركة بشبابها المندفع ستجد نفسها، وفي أول مشروع لها، تقف أمام معضلة التمويل، لتبدأ رحلة جمع التبرعات والصدقات "المذلة" لإقامة نشاطها، تحت عنوان عريض اسمه "الرعايات". لذا أجد في غاية الأهمية وجود جهة رسمية، مهمتها تمويل المشاريع الفكرية والثقافية المبدعة والجديدة، وذلك بعد دراستها وتقييم الميزانية اللازمة لإقامتها. والأمر ينطبق على الشركات الكبرى في تسخير جزء من أرباحها للمسؤولية المجتمعية، بما يُنشّط العمل الفكري والإبداعي والثقافي والفني، ويساهم في خلق حالة تنوير ووعي شعبي مجتمعي، ويعطي للمفكر والمبدع فرصة إنتاج أعمال جديدة ومتجددة.

من أجل أوطاننا ومستقبل شبابنا، وفي زمن القوى الناعمة، فإن الأنشطة الثقافية والفنية الخاصة بحاجة إلى دعم مالي، ومنا لمن يهمه الأمر!

طالب الرفاعي