ألقت أحداث خلدة، وما خلفته من إراقة الدماء، بأثقالها وظلالها على الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان، بينما النار متحفزة تحت الرماد، على وقع الاستعصاء السياسي الذي تعيشه البلاد.

وفي حين عمل «حزب الله» على تجنّب التصعيد والتورط في أي اشتباك أهلي، وفضّل تفويض الأمر إلى الجيش اللبناني ليعمل على توقيف المتهمين بقتل عدد من المحسوبين على الحزب، الذين شاركوا في تشييع علي شبلي، تقول مصادر متابعة إن «حزب الله» لن ينام على الضيم، وإذا لم تكن نتائج توقيفات الجيش كما يريدها هو فإنه قد يقدم على تنفيذ عملية أمنية لردّ الاعتبار والأخذ بالثأر، من خلال تصفية أحد المتهمين بإطلاق النار أو أكثر.

Ad

في المقابل، تنقل مصادر أخرى قريبة من الحزب أنه يريد التهدئة، لا التصعيد، بخلاف ما جاء على لسان عدد من المسؤولين فيه أو المقربين منه.

ولا يمكن لما حصل بخلدة أن يبقى منعزلاً عن كل التطورات اللبنانية، بل سيكون له انعكاس على كل الملفات، بما فيها تشكيل الحكومة، التي تصعب مهمة تشكيلها أكثر فأكثر على وقع التوترات، واستمرار الخلافات على آلية توزيع الحصص والحقائب الوزارية ومطالبة الرئيس ميشال عون بوزارة الداخلية، وهي المشكلة بين عون والرئيس المكلف نجيب ميقاتي.

وهنا تؤكد مصادر متابعة أنه قبل اجتماع الرئيسين، عصر أمس، أبلغ ميقاتي رؤساء الحكومة السابقين بأنه لن يتنازل لعون عن «الداخلية»، مما يعني استمرار المواقف على حالها، وعدم تحقيق أي تقدّم في عملية التشكيل، على الرغم من الإصرار على إشاعة أجواء إيجابية.

وسيكون ميقاتي أمام ضغط كبير ومن أنواع مختلفة، أولها عدم التنازل عن حصة السنة وحقوقهم، وثانيها عدم تقديم التنازل على وقع التوتر في خلدة بين السنّة والشيعة، وهو يمكنه تحمّل التعايش في حكومته مع أزمة اقتصادية يسعى إلى حلّها كما يقول، ولكن من الصعب عليه أن يتعايش على رأس حكومة في ظل التوتر السني - الشيعي، لاسيما أنه يقرأ الكثير من الرسائل الداخلية والخارجية الضاغطة عليه بهدف عدم استكماله لمهمته.

وفي المقابل، هناك وجهة نظر مضادة ترتكز على أن التوترات، التي حصلت، والخوف من تفاقمها واستمرارها يحتمان على الجميع تقديم التنازلات والذهاب إلى تشكيل حكومة، والتراجع عن كل الشروط المفروضة والحسابات المصلحية والشخصية. وهذا الأمر يفترض أن تحسمه التطورات والوقائع.

لن يكون ميقاتي مستعجلاً على قرار الاعتذار حتماً، على الرغم من تأكيد أوساطه أنه بحال وجد طريقه مسدوداً فهو لن يطيل بقاءه في موقعه، كي لا ترتد تداعيات التعطيل والتأخير في تشكيل الحكومة عليه سلباً. وهو ينتظر بالتأكيد مؤتمر 4 أغسطس الدولي (غداً) لمساعدة لبنان، والذي سيشارك فيه، بينما يراهن على إشارة قوية من خلال مشاركة الرئيس الأميركي جو بايدن، بعد محاولات فرنسية حثيثة لإقناعه بالمشاركة.

وسينتظر ميقاتي التقاط الرسائل الدولية، التي ستطلق في المؤتمر، ليبني على الشيء مقتضاه، ويتخذ الموقف الذي يراه مناسباً، وإذا لمس استعداداً دولياً للمساعدة، ودعوة للتنازل في سبيل التشكيل؛ فقد يقدم على خطوة التنازل عن بعض الشروط، أما بحال لمس استمرارية إغلاق الأبواب الدولية فهو حتماً سيفضل خيار الاعتذار.

وهنا تقول مصادر دبلوماسية إن حل الأزمة اللبنانية والبدء بتقديم المساعدات لا يزالان بحاجة إلى مزيد من الوقت، ولم يحن بعد وقت المقايضة على لبنان.

وغير بعيد عن كل هذه التطورات، لا بد من مراقبة مجريات الأحداث على الأرض غداً، إذ دعا أهالي ضحايا تفجير المرفأ إلى تحركات كبيرة في الذكرى السنوية الأولى للتفجير، مع ما ستحمله هذه التحركات من رسائل شعبية وسياسية متعددة، ستفرض نفسها على الوقائع اليومية، والتي قد تشكل شرارة لتحركات أكبر.

وتقول مصادر متابعة إن لبنان أمام خيارين، إما الاتجاه إلى الانهيار الكامل والشامل، وإما تشكيل حكومة تعمل على الحد من هذا الانهيار، وستكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد الوجهة، التي ستسلكها البلاد.

منير الربيع